يريفان تحتضن قمتها الثنائية الأولى مع الاتحاد الأوروبي: خطوة تاريخية نحو الغرب

تستضيف العاصمة الأرمينية يريفان يوم الثلاثاء قمة ثنائية تاريخية بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي، وهي لحظة مفصلية في مسار هذه الدولة القوقازية نحو الاندماج مع الكتلة الأوروبية، وفي ظل تزايد تباعدها الحذر عن حليفتها التاريخية روسيا. هذه القمة تأتي بعد فترة وجيزة من استضافة العاصمة الأرمينية للاجتماع الثامن لمجموعة السياسة الأوروبية (EPC)، مما يؤكد على الدور المتنامي لأرمينيا كمركز دبلوماسي في المنطقة.

## أرمينيا والاتحاد الأوروبي: شراكة تعود جذورها إلى التغيرات الجيوسياسية

تأتي قمة الاتحاد الأوروبي وأرمينيا في يريفان لتضاف إلى زخم الاجتماعات التي شهدتها العاصمة الأرمينية مؤخراً. فقد سبقتها استضافة الاجتماع الثامن لمجموعة السياسة الأوروبية (EPC) يوم الاثنين، والذي جمع عشرات القادة الأوروبيين لمناقشة قضايا الدفاع الأوروبية والحرب في أوكرانيا. هذه الفعاليات تسلط الضوء على سعي أرمينيا المتزايد نحو الغرب، ورغبتها في إعادة تشكيل علاقاتها الخارجية بعيداً عن الدور المهيمن للاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة روسيا.

### توتر العلاقات مع موسكو ودفع نحو الغرب

شهدت العلاقات بين أرمينيا وموسكو، راعيتها وحليفتها القديمة، تدهوراً ملحوظاً منذ عام 2020، خاصة بعد استعادة أذربيجان لمنطقة ناغورنو كاراباخ. اتهمت السلطات الأرمينية قوات حفظ السلام الروسية بالفشل في حماية سكان الإقليم، وهو ما نفته موسكو مشيرة إلى عدم وجود تفويض للتدخل. وصف ريتشارد جيراجوسيان، مدير مركز الدراسات الإقليمية في يريفان، هذه الأحداث بأنها “دليل متأخر على أن روسيا لا يمكن الاعتماد عليها بشكل خطير كشريك”.

### شراكة اتصال جديدة وتعزيز الروابط الاقتصادية

في أعقاب ذلك، سعت حكومة رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان إلى تعزيز علاقاتها مع الغرب، وهو ما رحب به الاتحاد الأوروبي. شهدت قمة الاتحاد الأوروبي وأرمينيا توقيع اتفاقية شراكة اتصال جديدة، تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية وتعميق التعاون الأمني. هذه الشراكة ستركز على مجالات النقل والطاقة والروابط الرقمية، ومن المتوقع أن تصل استثمارات الاتحاد الأوروبي إلى 2.5 مليار يورو (2.9 مليار دولار) ضمن برنامج البنية التحتية للبوابة العالمية.

قال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل في تصريح له: “قمة الاتحاد الأوروبي وأرمينيا اليوم تبعث بإشارة واضحة إلى التزام الاتحاد الأوروبي الراسخ بتعميق علاقاتنا مع أرمينيا وتعزيز التعاون في العديد من المجالات الجديدة، مما يقرب أرمينيا وشعبها من الاتحاد الأوروبي”.

### خطوات رمزية نحو الاستقلال الاستراتيجي

لم تقتصر تحركات أرمينيا نحو الغرب على الجانب الدبلوماسي والاقتصادي فحسب، بل شملت أيضاً خطوات رمزية. انضمت أرمينيا إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2023، وهو ما أثار استياء موسكو. كما جمدت أرمينيا مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا في عام 2024، مع بقائها عضواً في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

### التوازن الدقيق في السياسة الخارجية الأرمينية

يشير المحللون إلى أن الاتحاد الأوروبي، وليس الولايات المتحدة، هو الذي يملأ الفراغ الذي تركته روسيا في أرمينيا، وأن هذا التوجه الأوروبي أقل استفزازاً لروسيا على المدى الطويل. ومع ذلك، حذر جيراجوسيان من اختزال السياسة الخارجية الأرمينية في مجرد التحول من روسيا إلى الغرب، مشيراً إلى استثمارات دبلوماسية متزايدة في آسيا مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين. “الأمر لا يتعلق باستبدال روسيا بالغرب. هذا أكثر ابتكاراً وأكثر تعقيداً بكثير”، كما قال.

### التوترات الإقليمية تلقي بظلالها

تأتي هذه القمة في وقت يشهد تصعيداً في التوترات الدبلوماسية بين أذربيجان والاتحاد الأوروبي. احتجت أذربيجان على قرار البرلمان الأوروبي الذي يطالب بالإفراج عن أسرى الحرب الأرمن وينتقد معاملة الأرمن في كاراباخ. كما شهدت قمة EPC احتجاجات خارج مكان انعقادها، حيث رفع متظاهرون صور السجناء الأرمن المحتجزين في أذربيجان.

في الختام، تمثل قمة الاتحاد الأوروبي وأرمينيا في يريفان نقطة تحول هامة في علاقات يريفان الثنائية، وتعكس مساعي أرمينيا لتأكيد سيادتها الاستراتيجية وتنويع شركائها الدوليين، مع محاولة الحفاظ على توازن دقيق في ظل التحولات الجيوسياسية المعقدة في المنطقة.

شاركها.
Exit mobile version