لندن – في خطوة تعكس قلقها العميق إزاء الاضطرابات الجيوسياسية والتضخم المتصاعد، أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75% يوم الخميس، لكنه ألمح إلى احتمالية رفعها في المستقبل القريب. يأتي هذا القرار في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تأثير الصراع في الشرق الأوسط، وتحديداً إغلاق إيران المحتمل لمضيق هرمز، وهو شريان حيوي لتصدير النفط العالمي.
بنك إنجلترا وسعر الفائدة: قرار حذر في ظل الأزمات
يشهد المشهد الاقتصادي العالمي حالة من عدم اليقين المتزايد، حيث تتكشف التوترات الجيوسياسية وتلقي بظلالها على الأسواق المالية. وفي هذا السياق، اتخذ بنك إنجلترا قراراً بالحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75%، وسط تزايد التكهنات حول مسار السياسة النقدية في الأشهر القادمة. وقد أشار صانعو السياسات إلى أنهم يدرسون بعناية التأثير الاقتصادي المتوقع لفيروس كورونا، فضلاً عن تداعيات تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
تأثير الحرب والاضطرابات الجيوسياسية على أسعار الفائدة
هذا القرار يأتي بالتوازي مع تحركات بنوك مركزية أخرى حول العالم. فقد أبقى كل من البنك المركزي الأوروبي، الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وبنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير هذا الأسبوع. يرجع هذا الإجماع إلى سعي هذه المؤسسات لقياس الأثر طويل الأمد للتقلبات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، وخاصة كيف ستؤثر هذه الاضطرابات على معدلات التضخم العالمية.
وتشير محضر اجتماع بنك إنجلترا إلى أن ثمانية من أصل تسعة أعضاء صوتوا لصالح الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة، بينما اقترح عضو واحد رفعها بمقدار ربع نقطة مئوية. ومع ذلك، حملت المداولات إشارة واضحة إلى أن أسعار الفائدة قد تشهد ارتفاعاً في المستقبل.
السيناريوهات الاقتصادية: بين الركود والتضخم المتصاعد
في خطوة غير معتادة، نشر بنك إنجلترا مجموعة من التوقعات الاقتصادية التي تأخذ في الاعتبار حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وفي ظل أسوأ السيناريوهات، حيث تستمر أسعار النفط والغاز في الارتفاع لفترات أطول، قد يصل معدل التضخم في المملكة المتحدة إلى 6.2% بحلول أوائل عام 2027، مقارنة بـ 3.3% حالياً. وتتضمن هذه التوقعات أيضاً احتمالية تزايد خطر الركود الاقتصادي، إلى جانب الحاجة إلى رفعات متعددة في أسعار الفائدة.
قبل اندلاع الأعمال العدائية في إيران، كانت الأسواق المالية تتوقع خفضاً في أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا، مع توقعات بانخفاض التضخم نحو هدفه البالغ 2% في الربيع. إلا أن التطورات الأخيرة، وخاصة الارتفاع الحاد في أسعار النفط والتكاليف الأخرى، قلبت هذه التوقعات رأساً على عقب. فقد ارتفعت أسعار الطاقة مجدداً في الأيام الماضية، مدفوعة بتزايد المخاوف من إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ووصل سعر خام برنت، المعيار الدولي، إلى أكثر من 126 دولاراً للبرميل في نقطة واحدة يوم الخميس، وهو أعلى مستوى له منذ فترة طويلة.
مراقبة التضخم وتأثيره على الاقتصاد
سيراقب صانعو السياسات في بنك إنجلترا عن كثب ما إذا كان ارتفاع التضخم سيبدأ في الانتشار عبر الاقتصاد، على سبيل المثال، من خلال ارتفاع الأجور. كما أنهم سيولون اهتماماً لتأثير صدمات أسعار النفط على الاقتصاد، ومدى تسببها في الركود، مما قد يحد من ارتفاع الأسعار.
ويرى لوك بارثولوميو، نائب كبير الاقتصاديين في شركة أبردين لإدارة الأصول، أن مخاطر الركود قد تحد من أي آثار تضخمية في الجولة الثانية. “لكن إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، فمن الصعب أن نرى كيف سيتجنب البنك الاضطرار إلى رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام”، حسب قوله.
دور الحكومة في مواجهة التضخم
بالإضافة إلى ذلك، سيكون صناع السياسات على أهبة الاستعداد لأي إجراءات قد تتخذها حكومة حزب العمال البريطاني للحد من تأثير التضخم على الأسر والشركات. وقد أكدت وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، على استعداد الحكومة لتقديم الدعم اللازم عند الحاجة. وقالت ريفز: “الحرب في الشرق الأوسط ليست حربنا، ولكنها حرب يتعين علينا الرد عليها”.
يشكل قرار بنك إنجلترا الحفاظ على سعر الفائدة، مع التلميح إلى زيادات مستقبلية، انعكاساً لتحديات اقتصادية وجيوسياسية معقدة. ويبقى التوفيق بين احتواء التضخم وتجنب الركود هو التحدي الأكبر الذي تواجهه البنوك المركزية وحكومات العالم في الفترة الراهنة.


