فالتيري بوتاس: رحلة شجاعة نحو الصحة النفسية في عالم الفورمولا 1

في عالم الفورمولا 1، حيث تتجسد السرعة والمنافسة الشديدة، يخرج السائق الفنلندي فالتيري بوتاس ليشارك تفاصيل معاركه الشخصية مع الصحة النفسية، مسلطًا الضوء على التحول الكبير الذي شهدته الرياضة في هذا المجال. يعتبر بوتاس أن الدعم المتزايد لقضايا الصحة العقلية في رياضة السيارات قد منحه الشجاعة للتحدث بصراحة عن تحدياته، مما يفتح الباب لمناقشات أكثر انفتاحًا وتقبلاً.

التحول الإيجابي في دعم الصحة النفسية

أشار بوتاس إلى أن الرياضة قد شهدت تطوراً ملحوظاً فيما يتعلق بدعم قضايا الصحة النفسية، مؤكداً أن هذا التغير لم يقتصر على عالم رياضة السيارات فحسب، بل امتد ليشمل العالم بأسره. وأوضح أن هناك طرقاً أفضل للتواصل ومشاركة القضايا الشخصية، مما يجعل بيئة الفورمولا 1 اليوم أكثر ترحيباً بالجميع.

“مُصارع الجنون”: اعتراف شخصي لمساعدة الآخرين

جاءت مشاركة بوتاس العميقة من خلال مقال بعنوان “Born Crazy” (مُصارع الجنون)، الذي نشره قبل ظهور فريقه الجديد كاديلاك في سباق الجائزة الكبرى في ميامي. قال بوتاس إن موافقته على الانفتاح جاءت بهدف تسليط الضوء على الصراعات النفسية الشديدة التي يخوضها السائقون في عالم السباقات التنافسي.

وشدد على أهمية إظهار أن السائقين بشر مثلهم مثل أي شخص آخر، ولا يوجد أحد مثالي، وأن الجميع لديهم صراعاتهم الخاصة. يأمل بوتاس أن يتعلم الآخرون من تجاربه ويرى الأخطاء كفرص للنمو، وأن يلهمهم للسعي وراء المساعدة عند الحاجة.

الظل العميق: تجربة “الجناح” والاكتئاب

في تفاصيل صادمة، كشف بوتاس أنه خلال فترته كسائق في فريق مرسيدس، عندما كان يلعب دور “الجناح” لبطل العالم سبع مرات لويس هاميلتون، وصل إلى حافة الاكتئاب وكاد أن يكره رياضة الفورمولا 1. وصف بوتاس مشاعره المعقدة تجاه تلك الفترة، حيث اضطر للتضحية بمركزه في العديد من السباقات لمساعدة هاميلتون على الفوز باللقب.

“هل تعلم كم أردت بشدة أن أقول لا؟” سأل بوتاس، مضيفاً: “لكن كان علي أن أكون زميلاً جيداً في الفريق. سمحت له بالمرور، وبالطبع قدم موسمًا رائعًا. لقد كان البطل. كنت ‘رجل الجناح’.”

هذا الوضع، بحسب بوتاس، كاد أن يجعله يبتعد عن الرياضة تماماً. فقد عانى من مشاعر سلبية عميقة، وأصبح يقرأ الكثير من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى كراهيته لنفسه. لكن لحسن الحظ، امتلك الأدوات لمواجهة هذه المشاعر، بدعم كبير.

اضطراب الأكل: معركة صامتة

لم تكن هذه هي المعركة الأولى التي يخوضها بوتاس. فقد كشف أيضًا عن صراع سابق دام عامين مع اضطراب الأكل، الذي وصفه بأنه “استهلكه بالكامل”. عندما كان في سباقات عام 2014، تحول الأمر إلى “لعبة” حيث كان وزنه يحدد شعوره بالرضا.

“كنت أستيقظ وأقوم بوزن نفسي كل صباح، وعندما أرى الرقم ينخفض، أشعر بارتياح عميق،” قال بوتاس. سرعان ما تحول هذا إلى وضع مجاعة، حيث كان يشعر بالغضب والسلبية تجاه كل شيء. لدرجة أنه أجاب زوجته السابقة بالنفي عندما سألته عما إذا كان يخشى مخاطر السباق: “إذا مت، سأموت.”

في تلك اللحظة، أدرك أنه لم يعد يهتم حقًا بما يحدث له. بعد فترة قصيرة، قرر الحصول على مساعدة، حيث بدأ زيارة طبيب نفسي واعترف بصوت عالٍ بأنه ليس على ما يرام. استغرق الأمر عامين تقريبًا حتى شعر بأنه استعاد طبيعته.

السقوط مجدداً والنهوض نحو الضوء

بدأ انزلاق بوتاس إلى الاكتئاب مرة أخرى في عام 2018 عندما أصبح من الواضح أنه سيظل دائمًا في ظل هاميلتون. وصف نفسه بأنه كان “مكتئبًا ومنهكًا” وكان “يكره السباق”. لدرجة أنه خلال عطلة الشتاء قبل موسم 2019، لم يكن متأكداً مما إذا كان سيعود.

“في تلك العطلة الشتوية، اتخذت قرارًا بأنني سأتقاعد،” اعترف. لكن مشيًا في غابة هادئة، خرج بوتاس بعقلية مختلفة تمامًا، مما ساعده على تجاوز هذه الأزمة.

الأمل في الدعم والمساعدة

يؤمن بوتاس بأن الرياضة ككل قد تطورت كثيراً، وأن هذا التطور شمل الجوانب الاحترافية والتدريب البدني والذهني. هناك الآن المزيد من الدعم المتاح، وعروض أفضل للسائقين فيما يتعلق بالمدربين الذهنيين، والأهم من ذلك، أن الناس أصبحوا أقل خوفاً من طلب المساعدة والبحث عن الدعم.

في ختام مقالته، أعرب بوتاس عن أمله في أن يُظهر لغيره أن هناك موارد متاحة وأن الوصمة المحيطة بالصحة العقلية قد تغيرت. إن شجاعته في مشاركة معاركه الشخصية تفتح نافذة مهمة نحو فهم أعمق للتحديات التي يواجهها الرياضيون، وتشجع على بناء بيئة داعمة للجميع.

شاركها.