البندقية، إيطاليا (AP) – اجتاحت فرقة البانك الروسية “بوسي رايوت” ومنظمات نسوية أوكرانية الجناح الروسي في بينالي البندقية، احتجاجًا على مشاركة موسكو في أقدم معرض فني دولي في العالم. سحب الدخان الوردي والأزرق والأصفر، صدحت حناجر 50 ناشطة بشعارات مثل “الدم هو فن روسيا” و”عصيان”، بينما احتجزهن الأمن الإيطالي.
يأتي هذا الاحتجاج في وقت حساس، حيث يمثل هذا العام أول مشاركة لروسيا في البينالي منذ غزو أوكرانيا عام 2022. وقد أثار قرار مشاركتها جدلاً واسعًا، لدرجة أن لجنة التحكيم أعلنت انسحابها احتجاجًا على مشاركة دول يخضع لاتها تحقيق بشأن جرائم حرب، بما في ذلك روسيا وإسرائيل.
احتجاجات قوية في بينالي البندقية
في قلب فعاليات بينالي البندقية، وعلى خلفية المعرض الفني الدولي الذي يعد من أقدم وأعرق الفعاليات من نوعها في العالم، اندلع مشهد احتجاجي لافت. قامت فرق فنية وناشطات نسويات، أبرزهن عضوات من فرقة “بوسي رايوت” الروسية ومنظمات نسوية أوكرانية، بتنظيم وقفة احتجاجية قوية أمام الجناح الروسي.
ارتدت المشاركات أقنعة وردية اللون، ولوّحت بأعلام بألوان العلم الأوكراني، فيما انبعثت سحب من الدخان بألوان وردية وزرقاء وصفراء، وهي ألوان العلم الأوكراني. تخلل الاحتجاج هتافات قوية تندد بمشاركة روسيا في المعرض، وشعارات مثل “الدم هو فن روسيا” و “عصيان”.
ناديا تولوكونيكوفا، إحدى مؤسسات “بوسي رايوت”، أدلت بتصريحات تحمل دلالات عميقة، قائلة: “لقد فتحتم الباب أمامهم للتو”. وأضافت أن منظمي البينالي أغفلوا أهمية “القوة الناعمة”، وهي جوانب تبدو بسيطة لكنها تحمل في ثناياها بعداً سياسياً وثقافياً هائلًا. وتابعت تولوكونيكوفا: “بالنسبة لروسيا، من الواضح أن ذلك جزء من استراتيجيتها العسكرية، وهذه هي الطريقة التي يحاولون بها غزو الغرب”.
جدل حول مشاركة روسيا في البينالي
يأتي هذا الاحتجاج في سياق أوسع من الجدل حول مشاركة روسيا في البينالي. هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها روسيا في المعرض الفني الدولي منذ غزو أوكرانيا عام 2022. وقد كلف هذا القرار البينالي ما يقرب من 2 مليون يورو من تمويل الاتحاد الأوروبي.
زاد من حدة الجدل استقالة لجنة تحكيم البينالي، المكونة من خمس نساء، احتجاجًا على مشاركة كل من روسيا وإسرائيل. وبررت اللجنة موقفها بأن هاتين الدولتين تخضعان لتحقيقات بشأن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
من جانبه، دافع منظمو البينالي عن قرارهم بالسماح بالمشاركة، مؤكدين أن أي دولة لها علاقات مع إيطاليا يحق لها المشاركة، وذلك على الرغم من معارضة الحكومة الإيطالية برئاسة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
تأثير القرارات المرفوضة
إن انسحاب لجنة التحكيم ليس الحدث الوحيد الذي عكس حجم الخلاف. فالقيود التي فرضت على روسيا، مثل اعتبارها دولة تحت المراقبة، أدت فعليًا إلى عزلها في هذا المحفل الفني الهام.
ضمن الجناح الروسي، وبالرغم من كل الجدل، كان من المقرر إغلاقه قبل الافتتاح الرسمي للبينالي. وشهد الجناح عروضًا موسيقية تم تسجيلها مسبقًا لعرضها خلال فترة المعرض. كما تواجدت في الجناح قطع فنية متفرقة، وبار يقدم المشروبات.
وفي يوم المعاينة الأول، لوحظت مجموعة صغيرة من الأشخاص يرقصون على أنغام الموسيقى، فيما فضل المسؤولون عن الجناح عدم الكشف عن هوياتهم.
صوت المعارضة من الداخل والخارج
ناديا تولوكونيكوفا أكدت أن الفن الروسي الوحيد الذي يجب عرضه هو فن المعارضين المسجونين “بتهم غالباً ما تكون واهية”. وأضافت: “هؤلاء الناس يصنعون الفن، وأريد أن يمثل هذا الفن روسيا، لأنهم يمثلون الوجه الحقيقي لروسيا”.
من جهة أخرى، رحب ميخائيل شفيدكوي، المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتعاون الثقافي الدولي، بعودة روسيا إلى البينالي، مؤكدًا أن “الثقافة الروسية لا يمكن إلغاؤها”.
على النقيض من ذلك، أشادت لجنة مناهضة الحرب الروسية (وهي مجموعة تنتقد الكرملين) بقرار الاتحاد الأوروبي سحب التمويل. ووصفوا مشاركة “ممثلي بوتين” في أحد أهم المنابر الثقافية العالمية بأنها “مصدر عار لأوروبا وهدية لآلة الدعاية الروسية”.
الخاتمة
يظل بينالي البندقية ساحة تعكس التوترات العالمية، ويبرز دور الفن كوسيلة للتعبير السياسي والاجتماعي. إن الاحتجاجات التي شهدتها الدورة الحادية والستون، والتي امتدت لتشمل خلافات استقالة لجنة التحكيم، تسلط الضوء على الأهمية البالغة لربط الثقافة بالواقع السياسي، وتؤكد على دور الفن في تشكيل الخطاب العام، حتى في ظل الظروف المعقدة.
