لوحات “MNR” في متحف أورسيه: قصة مسروقات الحقبة النازية ونداء للورثة
افتتح متحف أورسيه في باريس مؤخرًا معرضًا جديدًا ومؤثرًا يسلط الضوء على حقبة مظلمة من التاريخ الفرنسي، وهي فترة الاستيلاء على الأعمال الفنية خلال الحكم النازي. يعرض المعرض لوحات فنية تُعرف بـ “MNR” (المتاحف الوطنية المستعادة)، وهي قطع فنية تم استردادها بعد الحرب العالمية الثانية ولا تزال ملكيتها غير مؤكدة. هذه اللوحات، التي حملت ذات يوم بصمات النهب النازي، تجد الآن مكانًا لها في قاعة مخصصة، تستدعي ماضيًا مليئًا بالألم وتشكل دعوة للورثة الشرعيين للظهور.
الكشف عن “اليتامى الفنيين” الفرنسيين
لوحة “فتاة ترتدي قلنسوة وشقيقها الأصغر” للفنان البلجيكي ألفريد ستيفنز، المرسومة عام 1891، هي مثال صارخ للقطع المعروضة. في عام 1942، اقتناها أدولف هتلر نفسه في باريس، لتصبح جزءًا من الأعمال التي جُرفت أثناء النهب النازي لليهود الأوروبيين. كان مصير هذه اللوحة، وكذلك مئات الآلاف من الأعمال الفنية الأخرى، مجهولًا لسنوات عديدة.
لكن اليوم، أصبحت هذه القطع الفنية، المعروفة بـ “MNR”، موضوعًا لمعرض فريد من نوعه في متحف أورسيه. هذه الأعمال، والتي يبلغ عددها 2200 قطعة في فرنسا، تم استرجاعها من ألمانيا والنمسا بعد عام 1945، وأُسندت إلى المتاحف الوطنية الفرنسية في أوائل الخمسينيات. اللافت للنظر هو أن أيًا من هذه الأعمال لم يتم المطالبة به منذ ذلك الحين، مما يجعلها “يتامى فنيين” في فرنسا.
رحلة القطع الفنية المنهوبة
لم تكن لوحة ستيفنز وحدها في رحلتها عبر العصور المظلمة. كانت مخصصة في الأصل لمتحف الفوهرر المخطط له في لينز بالنمسا، قبل أن تنتقل إلى منزل هتلر الجبلي في بافاريا. لحسن الحظ، اكتشفت فرق الإنعاش المتحالفة، المعروفة بـ “رجال الآثار”، اللوحة بعد الحرب.
تعرض اللوحات في المعرض الجديد علامات وبصمات فريدة، مثل الطوابع والملصقات وعلامات المخزون، لتوضح مسارها من المنازل الخاصة إلى أيدي النازيين. تعرض لوحة “مدام ألفونس دوديت” للفنان بيير أوغست رينوار، على سبيل المثال، تفاصيل انتقالها عبر السوق الفنية في ذلك الوقت.
متحف أورسيه: وجهة “MNR” الجديدة
يحتضن متحف أورسيه 225 قطعة من هذا النوع. يمثل المعرض الجديد، الذي يسلط الضوء على 13 عملاً، أول مبادرة من نوعها في تاريخ المتحف، حيث يتم عرض “روائع اليتيمة من العصر النازي” بشكل دائم. كما أنه العرض الأول في فرنسا الذي يسمح للزوار بقراءة ظهور الأعمال الفنية، لفهم قصصها خلف الكواليس.
فرنسا والمواجهة مع الماضي
لسنوات طويلة، حافظت فرنسا على صمت طويل فيما يتعلق بالفن المنهوب والمباع والمفقود من الحقبة النازية، وكذلك دور الأيدي الفرنسية في تسهيل هذه العمليات. لكن في العقود الأخيرة، بدأت البلاد في مواجهة ماضيها.
بدءًا من أواخر الستينيات، بدأت الأفلام الوثائقية والمؤرخون في تسليط الضوء على دور حكومة فيشي المتعاونة مع النازيين. في عام 1995، اعترف الرئيس جاك شيراك صراحة بالمسؤولية التاريخية للدولة الفرنسية. تبع ذلك في عام 1997 تحقيق وطني في نهب الأعمال الفنية من اليهود.
تم الإعلان عن نهب حوالي 100 ألف قطعة ثقافية من فرنسا خلال الحرب، وتم استرداد حوالي 60 ألفًا منها، وعاد حوالي 45 ألفًا إلى أصحابها. لكن ما يقرب من 15000 عمل فني لا تزال بلا مالك محدد، ومن بينها اختيرت الأعمال الفنية البالغ عددها 2200 “MNR”.
دعوة للورثة والأمل في المستقبل
في الشهر الماضي، أطلق متحف أورسيه وحدة بحثية مخصصة لتتبع الورثة الشرعيين للأعمال الفنية. يقود هذا الجهد فريق من ستة باحثين فرنسيين وألمان، بهدف الوصول إلى أقصى قدر ممكن من الحقائق.
تُظهر اللوحات المعروضة، مثل قطعة إدغار ديغا، وصورة لزوجة الكاتب ألفونس دوديت للفنان رينوار، ولوحة لبول سيزان، قصصًا مروعة عن الاستيلاء على الممتلكات. هذه الأعمال، التي كانت يومًا ما جزءًا من مجموعات خاصة، أصبحت الآن دليلًا حيًا على فظائع الحرب.
إن معرض “MNR” في متحف أورسيه ليس مجرد عرض فني، بل هو دعوة مفتوحة للذاكرة، ولتحديد أصحاب الحقوق، ولإعادة بعض العدالة لضحايا حقبة مأساوية. كما أنه يمثل خطوة حاسمة نحو فهم أعمق لتاريخ المحرقة، وإعادة بناء فهم للتاريخ الذي لا يمكن أن تخمد ناره.

