دعوات في الكونغرس الأمريكي لإنهاء الغموض حول برنامج إسرائيل النووي
في خطوة لافتة، دعت مجموعة من 30 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس النواب الأمريكي، في رسالة مشتركة موجهة إلى وزير الخارجية، إلى ضرورة مساءلة إسرائيل بنفس المعايير المطبقة على الدول الأخرى، وإنهاء حالة الغموض التي طال أمدها بشأن قدراتها النووية السرية. وتسلط هذه الدعوة الضوء على تساؤلات متزايدة حول السياسة الأمريكية تجاه برنامج إسرائيل النووي، خاصة في ظل التوترات الحالية في المنطقة.
مطلب بالشفافية والمساءلة
أكد المشرعون في رسالتهم، التي قادها النائب جواكين كاسترو وشاركت فيها شخصيات مثل ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، روشانا خان، رشيدة طليب، إلهان عمر، وبراميلا جايابال، على أن القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة تستدعي أن يكون الكونغرس على اطلاع كامل بالتوازن النووي في الشرق الأوسط، ومخاطر التصعيد، وخطط الإدارة الأمريكية لمواجهة مثل هذه السيناريوهات. وقد أوضحوا أنهم لا يشعرون بتلقي المعلومات الكافية لتحقيق هذه المسؤولية الدستورية.
معضلة حظر الانتشار النووي
تُعد إسرائيل واحدة من الدول القليلة التي لم تنضم إلى معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، وهو ما يعني عدم خضوع برنامجها النووي لأي رقابة أو تحقق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). وتتبع إسرائيل سياسة “لا تأكيد ولا نفي” بشأن برنامجها النووي، ورغم ذلك، فإن وجوده أصبح سراً مكشوفاً على مدى عقود.
تُشير تقديرات إلى أن إسرائيل تمتلك حوالي 90 رأساً حربياً نووياً، وكميات كافية من البلوتونيوم لإنتاج 200 سلاح آخر.
تأثير الغموض على السياسة الخارجية
أشار المشرعون الأمريكيون إلى أن واشنطن لا يمكنها تطوير سياسة فعالة لمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، بما في ذلك التعامل مع البرنامج النووي المدني لإيران وطموحات المملكة العربية السعودية النووية، “بينما تتمسك بسياسة الصمت الرسمي” تجاه إسرائيل، التي تشاركها الولايات المتحدة في نزاع. لقد طالبوا بضرورة “مطالبة إسرائيل بنفس مستوى الشفافية الذي تتوقعه الولايات المتحدة من أي دولة أخرى قد تسعى إلى حيازة قدرات نووية أو تحتفظ بها”.
لمحة تاريخية: صفقات سرية وبناء القدرات
بدأ المشروع النووي الإسرائيلي في خمسينيات القرن الماضي، بمساعدة فرنسية مبدئية ودون علم واشنطن. ووفقاً للمؤرخ الأمريكي الإسرائيلي أفنر كوهين، الذي يُعد من أبرز الباحثين في تاريخ إسرائيل النووي، فقد حصلت إسرائيل على قدرتها النووية بطريقة مختلفة عن الدول الأخرى.
أشارت أبحاث كوهين، التي استندت إلى وثائق أمريكية رفعت عنها السرية، إلى أن الولايات المتحدة تساءلت بشكل متكرر في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات حول ما كانت تفعله إسرائيل في موقع ديمونا الصحراوي. وعلى الرغم من عمليات التفتيش والمحاولات لإخفاء الموقع، اكتشفت الولايات المتحدة في نهاية الستينيات الغرض الحقيقي منه.
صفقة نيكسون-مئير النووية
يكشف كوهين عن وجود صفقة سرية، لا تزال سارية، بين الولايات المتحدة وإسرائيل: “في عام 1969، قبلت الولايات المتحدة الوضع النووي الاستثنائي لإسرائيل، طالما ظلت إسرائيل ملتزمة بإبقاء وجوده خفياً وغير واضح. هذا يُعرف بصفقة نيكسون-مئير النووية لعام 1969”. ومنذ ذلك الحين، التزمت إسرائيل بسياسة الغموض المتعمد، بينما واصلت الولايات المتحدة التزامها بهذه الصفقة.
فضيحة فانونو وتداعياتها
في أكتوبر 1986، ألقى فني نووي إسرائيلي سابق، موردخاي فانونو، الضوء على برنامج إسرائيل النووي من خلال كشف تفاصيل حول موقع ديمونا لصحيفة “ذا صنداي تايمز”. ورغم المعلومات التي قدمها فانونو والصور التي التقطها، تم اختطافه من قبل عملاء إسرائيليين في روما، وحُكم عليه بالسجن 18 عاماً في إسرائيل، أكثر من نصفها في الحبس الانفرادي. ولا تزال القيود المفروضة عليه منذ إطلاق سراحه في عام 2004، والتي تمنعه من السفر أو التحدث إلى الصحفيين الأجانب، سارية.
مستقبل المساءلة النووية في الشرق الأوسط
تُعد دعوة المشرعين الأمريكيين هذه خطوة مهمة نحو المطالبة بشفافية أكبر فيما يتعلق بالقدرات النووية في الشرق الأوسط. وفي ظل التحديات الأمنية المتزايدة، يصبح من الضروري تعزيز الرقابة الدولية وضمان الالتزام بمعايير النزاهة لتجنب سباق تسلح نووي غير منضبط في المنطقة. إن إنهاء الغموض حول برنامج إسرائيل النووي قد يفتح الباب أمام المزيد من الحوار والحلول الدبلوماسية المستدامة.


