بينالي البندقية 2024: بين الفن والسياسة والصراع
شهد بينالي البندقية في نسخته الحادية والستين، الذي يُعد أقدم معرض للفن المعاصر في العالم، أجواءً مشحونة بالتوتر والانقسام السياسي. استقالة غير مسبوقة لهيئة المحلفين، وسط مشاركة دول متصارعة مثل إسرائيل وروسيا، ألقت بظلالها على الحدث الفني العالمي، مسلطة الضوء على التداخلات المعقدة بين الفن والسياسة في عصرنا.
فوضى سياسية تعصف بأقدم معرض للفن المعاصر
يوم الثلاثاء، استعرض بينالي البندقية نسخته الحادية والستين، والتي وصفت بأنها الأكثر فوضوية على الإطلاق. جاءت هذه الفوضى متزامنة مع استقالة هيئة محلفين كاملة، مما ألقى بظلاله على مستقبل المشاركات الوطنية في هذا الحدث الفني العريق.
الأجنحة الوطنية في دائرة الضوء: تحديات التمثيل في عصر العولمة
لم يكن امتداد السياسة العالمية إلى أروقة البينالي مفاجئًا للكثيرين. هذا الوضع يضع ضغوطًا متجددة على هيكل الأجنحة الوطنية، ويثير تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمة تمثيل الدول في نظام عالمي تتجاوز فيه ممارسات الفنانين الحدود الجغرافية. هل لم يعد مفهوم التمثيل الوطني ذا جدوى في عالم يتفاعل فيه الفنانون بشكل متزايد على المستوى الدولي؟ وهل تمنح هذه المنصة للدول فرصة للدعاية السياسية؟
قالت ماري هيلين بيريرا، إحدى القيمين الخمسة للمعرض الرئيسي، إن وجود الدولة القومية داخل مساحة المعرض كان محل خلاف كبير. مضيفة: “يمكننا أن نرى إلى أي مدى يمكن أن يؤدي ذلك إلى التوتر، خاصة في خضم الفوضى السياسية التي نجد أنفسنا فيها.”
ترى بيريرا أهمية إعادة التفكير في بنية المعرض والمؤسسات الفنية بشكل عام، لتكون قادرة على تلبية احتياجات الفنانين وصناعة الفن بشكل أفضل. ومع ذلك، أكدت أن هذا لا يعني أن الفن يجب أن يكون بمعزل عن السياسة.
استقالة هيئة المحلفين: موقف حاسم تجاه الصراعات العالمية
قبل استقالتها، أعلنت لجنة التحكيم أنها لن تمنح جوائز للدول التي يخضع قادتها للتحقيق من قبل محكمة العدل الدولية. أدى هذا القرار إلى عزل روسيا وإسرائيل عن المنافسة على الجوائز.
الفنان الإسرائيلي بيلو سيمون فينارو، الذي يعرض أعماله المتجذرة في الكابالا، وصف قرار هيئة المحلفين بأنه “عادلاً”. وأعرب عن اعتقاده بأن الفنانين يجب أن يعاملوا على قدم المساواة، بغض النظر عن عرقهم أو ديانتهم أو جنسيتهم. “يجب أن يُنظر إلي كما أنا. أنا فنان يريد إظهار فني، ولدي الحق في أن يتم تقييمي”، قال فينارو. واختتم بالقول إن البينالي يجب أن يكون “مكانًا يمكنك أن تشعر فيه بالأمان للإبداع والقيام بكل ما تؤمن به.”
جيارديني: مسرح للصراع والسلام
كانت التوترات واضحة في منطقة جيارديني، قلب البينالي، حيث اصطف فنانون أوكرانيون بجانب شاحنة تحمل تمثالاً لغزال من ورق الأوريجامي، تم جلبه من الجبهة الشرقية التي مزقتها الحرب. وعلى بعد أمتار قليلة، رقص مشاركون في الجناح الروسي على أنغام موسيقى البيت. وفي مشهد مؤثر، سارحت مجموعة من الفلسطينيين في الجارديني وهم يحملون أسماء فنانين قتلوا في غزة، مع توقع المزيد من الاحتجاجات خلال أسبوع المعاينة.
الفنانة الأوكرانية: رسالة من خطوط التماس
ابتكرت الفنانة الأوكرانية زانا كادريوفا لوحة “The Origami Deer” لتحل محل تمثال لطائرة مقاتلة سوفيتية ذات قدرة نووية كانت تزين حديقة في بوكروفسك، شرق أوكرانيا. هذا التمثال الجديد يمثل رحلة الشفاء والنضال، حيث تم إجلاؤه من منطقة خط المواجهة.
عرضت المنسقة المشاركة كسينيا ماليخ بشدة قرار البينالي بالسماح لروسيا بفتح جناحها، واصفة إياه بأنه “محاولة زائفة للبقاء على الحياد”. وأكدت: “لا يمكنك أن تظل محايداً في هذه الأوقات. لا يمكنك أن تكون محايداً عندما يموت الناس كل يوم بسبب الروس. يقولون إن الفن يتجاوز السياسة، لكنهم يستخدمون الفن كسلاح في حرب هجينة في أوروبا.”
أشارت ماليخ إلى أن التركيز على بيان المشاركة الروسية بدلاً من الفن الروسي نفسه، كان هدفهم. وسيظل الجناح الروسي مفتوحًا للزوار فقط خلال فترة المعاينات.
التمويل والسياسة: خلافات حول المشاركة الروسية
بلغت تكلفة افتتاح جناح روسيا في البينالي 2 مليون يورو على مدى ثلاث سنوات، بتمويل من الاتحاد الأوروبي. دافع البينالي عن قراره، مؤكداً أن أي دولة لها علاقات مع إيطاليا لها الحق في فتح جناح. هذا الموقف أدى إلى خلافات مع الحكومة الإيطالية.
وداعاً للأسود الذهبية؟
مع غياب هيئة تحكيم من النظراء، لن يتم منح جائزة “الأسد الذهبي” لأفضل جناح وطني أو أفضل مشارك في المعرض الرئيسي. بدلاً من ذلك، سيختار الزوار الفائزين بجوائز تقديرية في اليوم الختامي للبينالي.
اعتبرت الفنانة الأوكرانية ماليخ أن عدم وجود جوائز مهنية “يضر بالبينالي”. وأشارت إلى أن منح الجائزة من قبل الجمهور قد يحول البينالي إلى ما يشبه مسابقة “يوروفيجن”، مما يفقده طابعه المؤسسي المهني.
في ختام هذا النقاش، يبرز بينالي البندقية 2024 كتعبير حي عن التوترات السياسية المعاصرة، وتسليط الضوء على الدور المعقد الذي يلعبه الفن في سياق الصراعات العالمية، والتحديات التي تواجه المؤسسات الفنية في تقديم أعمال تتجاوز الانقسامات.


