لندن: حيث يلتقي الكريكيت بالعمل الهجين في “العمل من البيضاوي”

في سابقة جديدة تعكس التحولات العميقة في أسلوب العمل، أطلق نادي مقاطعة ساري للكريكيت مبادرة مبتكرة تحت عنوان “العمل من البيضاوي” (Work from the Oval)، لتقديم تجربة فريدة للعمال الهجينين في جنوب لندن. تهدف هذه المبادرة إلى استغلال الإمكانيات المتاحة في ملعب “ذا كيا أوفال” التاريخي، والذي عاد تقريباً 180 عاماً، لتحفيز الحضور وتشجيع نظام العمل المختلط الذي أصبح سمة العصر.

تحويل الملعب إلى مساحة عمل مبتكرة

استثمر نادي ساري، الذي يعد من أنجح الفرق في إنجلترا، في تحديث بنيته التحتية خلال فصل الشتاء. قامت هذه التحديثات بتطوير شبكة الواي فاي، وتخصيص مناطق عمل مجهزة بالمكاتب، وتوفير منافذ الطاقة، بالإضافة إلى إطلالات مباشرة على الملعب. لم يقتصر الأمر على توفير البيئة المناسبة للعمل، بل شمل أيضاً رسالة مرحة موجهة للعاملين: “لن نخبر رئيسك في العمل”، مما يعكس الثقة في قدرة الأفراد على إدارة وقتهم بفعالية.

“العمل من البيضاوي”: تجربة ناجحة ومستقبل واعد

خلال مباريات بطولة المقاطعة الثلاث التي استضافها هذا الموسم، شهد “ذا كيا أوفال” إقبالاً ملحوظاً من مئات العاملين الهجينين. هذه المبادرة تأتي في وقت لا تزال فيه رياضة الكريكيت، وخاصة منافسات المقاطعات، تواجه تحديات في جذب الحضور، حيث غالباً ما توصف بحضور ضعيف.

على النقيض من ذلك، يوم الجمعة الذي استضاف فيه ساري فريق ساسكس، شهد الملعب حضوراً تجاوز 6000 متفرج. هذا الحشد الكبير، الذي تزامن مع طقس مشمس وإمكانية الاستمتاع بيوم كامل من اللعبة، يبرز نجاح استراتيجية النادي. ورغم أن سعة الملعب تصل إلى 27500 متفرج، إلا أن هذا العدد يعتبر مشجعاً للغاية خلال يوم عمل عادي. يذكر أن الملعب يبيع تذاكر مباريات إنجلترا التجريبية والمباريات القصيرة لساري بالكامل.

قصص ناجحة من “البيضاوي”

هاري أشتون، مدير شركة Elite Finance Solutions، كان من بين المستفيدين من هذه التجربة. عادةً ما يعمل من مساحة عمل مشتركة في ويمبلدون، لكنه اغتنم الفرصة للعمل من “البيضاوي” مقابل 15 جنيهاً إسترلينياً فقط. مازح أشتون قائلاً: “إنها ليست بجودة نادي ليثام للكريكيت”، في إشارة إلى ناديه المحلي.

الانضمام إلى أشتون كان لبعض أصدقائه، وبعد ساعات قليلة من العمل، استمتعوا بتناول مشروباتهم وكأنهم في بداية عطلة نهاية أسبوع طويلة.

العمل الهجين: إرث الجائحة وتأثيره

أصبح التحول نحو العمل المختلط، وخاصة بعد جائحة كوفيد-19، أمراً لا مفر منه. بالرغم من عودة العديد من الشركات لموظفيها إلى المكاتب، لا يزال أكثر من ربع البالغين العاملين في المملكة المتحدة يعملون عن بعد بجزء من وقتهم، وفقًا لمكتب الإحصاءات الوطنية. على الرغم من وجود انتقادات تزعم أن العمل الهجين قد يؤثر سلبًا على الإنتاجية، إلا أن تطبيق “العمل من البيضاوي” أظهر عكس ذلك.

العشرات من الأشخاص الذين كانوا يعملون في الملعب كانوا ملتزمين بأعمالهم، يعقدون اجتماعات “زوم” ويكملون مهامهم. نيل مونرو، صاحب شركة مونرون للاستشارات المحدودة، أكد على إيمانه بأن “الحياة بشكل عام، إذا عاملت شخصًا كشخص بالغ، فسوف يتصرف كشخص بالغ”. وعبر عن عدم رؤيته لأي جانب سلبي طالما أن الجميع يتعامل مع بعضهم البعض باحترام.

دعوة لتبني نموذج “ساري”

يعتقد ماثيو بالش، مستشار تسويق مستقل وعاشق لرياضة الكريكيت، أن على المقاطعات الأخرى أن تحذو حذو نادي ساري. قال: “أعتقد أن جميع المقاطعات يجب أن تعتمد على سوق العمال المستقلين عن بعد لزيادة الحضور”.

لم تكن التجربة خالية من بعض المخاوف، حيث أصرت موظفة في شركة عالمية على عدم الكشف عن هويتها، معربة عن قلقها بشأن النظرة المجتمعية للعمل من أماكن غير تقليدية. لا تزال وصمة العار هذه موجودة في بعض الأوساط.

ختاماً: مستقبل العمل والرياضة

تقدم مبادرة “العمل من البيضاوي” رؤية مبتكرة للجمع بين مرونة العمل الهجين وجماليات الرياضة التقليدية. إنها تفتح آفاقاً جديدة لزيادة الإيرادات والولاء للنوادي الرياضية، بينما توفر للعاملين بيئة عمل فريدة ومحفزة. مع استمرار تطور مفاهيم العمل، قد نشهد المزيد من هذه الشراكات الإبداعية التي تعيد تعريف العلاقة بين حياتنا المهنية وأماكن تواجدنا.

شاركها.