شهدت الساحة السياسية الدولية تحولاً دراماتيكياً عقب توقيع “مذكرة التفاهم” التاريخية بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي. وبينما ركزت وسائل الإعلام العالمية على تفاصيل الاتفاق النووي والاقتصادي، برزت الساحة اللبنانية كأحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للخلاف الدبلوماسي. لم تكن تفاصيل هذا الاتفاق مجرد بنود تقنية، بل تداخلت مع المصلحة السياسية المباشرة وصياغة التحالفات الإقليمية، خاصة مع تزايد الاهتمام بمتابعة أخبار دونالد ترمب لمعرفة كيف ستؤثر هذه الخطوة الجريئة على مستقبل الشرق الأوسط والتوازنات العسكرية في جنوب لبنان.

لبنان في قلب الاتفاق: شروط دقيقة وتفسيرات متناقضة

تضمنت مذكرة التفاهم التي صاغتها الإدارة الأميركية إشارات صريحة ومباشرة إلى الشأن اللبناني في ثلاثة مواضع أساسية، معتبرة أن إنهاء العمليات العسكرية على هذه الجبهة يمثل ركيزة لا غنى عنها لضمان استقرار الاتفاق المكون من 14 بنداً. ونص البند الأول بوضوح على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مع تعهد الأطراف بضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها.

رغم هذا الوضوح النصي، سارعت تل أبيب إلى النأي بنفسها عن التزامات المذكرة. ونقلت الأوساط الدبلوماسية عن مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مواقف حاسمة تشير إلى أن إسرائيل لا تعتبر نفسها طرفاً ملزماً بهذه التفاهمات، مؤكدين أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من جنوب لبنان دون تحقيق شرطها الأساسي المتمثل في نزع سلاح حزب الله بشكل كامل.

آلية “الإجراء مقابل الإجراء” والجدول الزمني للاتفاق

تصر طهران من جانبها على أن المذكرة كلٌّ لا يتجزأ، حيث شدد رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، على مبدأ التزامن المتبادل المعبر عنه بـ “الإجراء مقابل الإجراء”. وتتوزع الالتزامات والخطوات التنفيذية بين الطرفين الأميركي والإيراني بناءً على جداول زمنية محددة بدقة:

الطرف المعني الإجراء التنفيذي المطلوب المدى الزمني المحدد
الولايات المتحدة رفع الحصار البحري بالكامل عن إيران خلال 30 يوماً من التوقيع
إيران ضمان المرور الآمن للسفن في الخليج وبحر عُمان لمدة 60 يوماً
الولايات المتحدة سحب القوات العسكرية من محيط إيران 30 يوماً من الاتفاق النهائي
الطرفان معاً التفاوض والتوصل إلى نص الاتفاق النهائي مدة أقصاها 60 يوماً

يظهر الجدول أن البند الـ13 يربط البدء في مفاوضات الوضع النهائي الحصرية بالالتزام الصارم بتنفيذ الفقرات الأساسية (1 و4 و5 و10 و11)، والتي تشمل الإفراج الكامل عن الأموال الإيرانية المجمدة وتسهيل تصدير النفط عبر إعفاءات وزارة الخزانة الأميركية، بالإضافة إلى التزام أميركي بوضع خطة تنموية لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.

الخلاف المكتوم بين واشنطن وتل أبيب

خلف الأبواب المغلقة، بات واضحاً أن السياسة الدبلوماسية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ترتكز على إنهاء النزاعات العسكرية الممتدة واستبدالها بصفقات اقتصادية وسياسية شاملة، وهو ما تسبب في صدمة للمسؤولين الإسرائيليين الذين كانوا يتوقعون تصعيداً عسكرياً أوسع ضد طهران.

وقد انتقد رئيس الولايات المتحدة بوضوح الأساليب العسكرية الإسرائيلية في لبنان، مشيراً إلى أن تدمير مبانٍ سكنية كاملة لملاحقة أفراد هو أمر غير مقبول، داعياً نتنياهو إلى اعتماد “نهج أقل حدة”. وفي سياق رده على الأصوات التي طالبت باستمرار الحرب، ذكّر ترمب بقراراته السيادية السابقة كإشارة إلى حسمه، موضحاً أن إسرائيل تراجعت في اللحظات الأخيرة عن المشاركة في عمليات عسكرية كبرى في الماضي، مثل عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني في عام 2020.

غضب إعلامي وسياسي داخل إسرائيل

أثار هذا التباين الحاد في الرؤى موجة هجوم غير مسبوقة من وسائل الإعلام العبرية المقربة من اليمين الإسرائيلي ضد الإدارة الأميركية الحالية. ووصل الأمر بالقناة 14 الإسرائيلية إلى توجيه انتقادات لاذعة لشخصيات بارزة في فريق الرئيس الأميركي مثل جي دي فانس وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف، واتهامهم بالتفريط في أمن إسرائيل الاستراتيجي من أجل تحقيق مكاسب وصفقات مالية، لاسيما وأن نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية شديدة قبل أربعة أشهر فقط من الانتخابات الإسرائيلية بعد أن وعد مواطنيه بـ “النصر الكامل”.

حسابات السياسة الداخلية الأميركية وتراجع الشعبية

على الجانب الآخر من المحيط، لا يبدو أن الحسابات السياسية لـ واشنطن تسير بمعزل عن الضغوط الداخلية؛ إذ أظهرت أحدث استطلاعات الرأي الصادرة في 17 يونيو 2026 تراجعاً ملحوظاً في مستويات تأييد الرئيس الأميركي لتصل إلى 39%، وهو الأدنى له منذ بدء ولايته الثانية. ويعود هذا التراجع بشكل مباشر إلى استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة والآثار الاقتصادية والسياسية الناجمة عن حرب إيران.

ويأمل المسؤولون الأميركيون أن تسهم مهلة الـ 60 يوماً المتاحة في المذكرة في دفع إسرائيل ولبنان نحو تسوية سياسية منفصلة ومستقلة، تضمن انسحاباً منظماً للقوات العسكرية الإسرائيلية يحفظ ماء وجه حكومة نتنياهو، ويمنح الإدارة الأميركية إنجازاً دبلوماسياً خارجياً كبيراً يمكن استغلاله لترميم الجبهة الداخلية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل.

في النهاية

توضح لنا تطورات هذه الاتفاقية الشاملة أن الدبلوماسية الدولية تظل محكومة بمصالح الدول الكبرى وحسابات القادة السياسيين المعقدة، بعيداً عن الوعود الحماسية والشعارات العسكرية. برأيك، هل ينجح الضغط الدبلوماسي الأميركي في إجبار تل أبيب على الانسحاب من جنوب لبنان، أم أن الخلاف الراهن سيؤدي إلى انهيار مذكرة التفاهم بأكملها؟

شاركها.
Exit mobile version