تعد مسيرة بنيامين نتنياهو من أكثر المراحل دموية وانقساماً في تاريخ المشهد السياسي الإسرائيلي؛ إذ ارتبط اسمه بسلسلة من الأزمات والحروب التي ألقت بظلالها القاتمة على المنطقة بأسرها. هذا المقال يقدم قراءة في محطات هذا السياسي اليميني، مستعرضاً إدارته للصراع داخلياً ودولياً.

نشأة صاغتها العقيدة والفقد

وُلد نتنياهو في الحادي والعشرين من تشرين الأول 1949 في تل أبيب، وورث عن والده المؤرخ عقيدة متشددة، إذ كان الأب مساعداً شخصياً لزعيم تيار صهيوني «تصحيحي». وفي عام 1976، قُتل شقيقه يوناتان خلال عملية عسكرية لتحرير رهائن في أوغندا، وهو حدث قال نتنياهو في مذكراته إنه «لن يتعافى منه أبداً».

نشأ جزءاً من حياته في الولايات المتحدة وتخرّج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وبفضل طلاقته في الإنكليزية، ركّزت عليه القنوات الأميركية حين كان يتحدث عن إسرائيل أواخر الثمانينات، ما ساهم في صعود نجمه ودعمه في شغل مناصب دبلوماسية بارزة في واشنطن والأمم المتحدة.

مسيرة سياسية طويلة وتقلّبات في الحكم

تولّى نتنياهو زعامة حزب الليكود عام 1993، وفاز في انتخابات 1996 ليصبح أصغر رئيس وزراء لإسرائيل عند 46 عاماً. خسر السلطة عام 1999، ثم استعادها بعد عشر سنوات، وبمجموع نحو 15 عاماً في المنصب، يُعد أطول زعيم إسرائيلي بقاءً في الحكم.

ويمكن إيجاز أبرز محطاته التاريخية في الجدول التالي:

المحطةالتفاصيل
1949الولادة في تل أبيب
1993تولّي زعامة حزب الليكود اليميني
1996صعوده كأصغر رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل
2020إبرام أربع اتفاقات تطبيع مع دول عربية (الاتفاقات الإبراهيمية)
2023 – 2026قيادة الحرب على قطاع غزة ومواجهة الملاحقة الدولية

حرب غزة: المحطة الأكثر دموية في مسيرته

تعتبر الحرب التي قادها نتنياهو ضد قطاع غزة المحطة الأشد خطورة وتأثيراً على إرثه السياسي ومستقبل المنطقة. فبينما يصر نتنياهو على أن الحرب تهدف إلى “القضاء التام” على الفصائل الفلسطينية واستعادة الرهائن، يرى منتقدوه والمجتمع الدولي أن الحرب تحولت إلى أداة لاستمراره في السلطة والهروب من محاكمات الفساد الداخلي.

وقد اتسمت إدارته للحرب بتبني سياسة الأرض المحروقة، وتدمير البنى التحتية، وفرض حصار خانق أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، مما وضع حكومته في مواجهة مباشرة مع القوانين والمنظمات الدولية.

الملاحقة الدولية: نتنياهو “مجرم حرب”

لم تعد الانتقادات الموجهة لنتنياهو سياسية فحسب، بل تحولت إلى مسار قانوني دولي غير مسبوق في تاريخ إسرائيل:

  • المحكمة الجنائية الدولية (ICC): خطت المحكمة خطوة تاريخية بإصدار مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو، واصفة إياه بـ مجرم حرب وموجّهة له اتهامات صريحة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تشمل استخدام التجويع كسلاح حرب، واستهداف المدنيين عمداً.
  • محكمة العدل الدولية (ICJ): بالتوازي، تواجه إسرائيل تحت قيادته اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دعاوى حظيت بدعم دولي واسع.

الموقف الأوروبي: انقسام حاد وعزلة متصاعدة

وضعت مذكرات المحكمة الجنائية الدولية الدول الأوروبية في اختبار حقيقي بين التزاماتها القانونية وتحالفاتها السياسية، حيث انقسم الموقف الأوروبي إلى تيارين:

  1. تيار الالتزام القانوني: أعلنت دول مثل فرنسا، إسبانيا، بلجيكا، وإيرلندا احترامها لقرارات الجنائية الدولية، مؤكدة أنها ستلتزم بتوقيف نتنياهو إذا وطئت قدماه أراضيها.
  2. تيار التحفظ والدعم المتردد: أظهرت دول أخرى مثل ألمانيا والمجر تحفظاً، وحاولت موازنة موقفها بين “الصداقة التاريخية” مع إسرائيل وبين صون منظومة العدالة الدولية، مما عكس حجم الانقسام الأوروبي غير المسبوق تجاه حليفهم التقليدي.

بين صورتين متناقضتين وانقسام داخلي

يقدّم نتنياهو، أو «بيبي» كما يلقّبه أتباعه، نفسه بوصفه المدافع الأوحد عن الشعب اليهودي في مواجهة ما يعتبره تهديدات وجودية. أما معارضوه في الداخل فيصفونه بـ«وزير الجريمة»، في إشارة إلى محاكمته بتهم الفساد، ويرون في خطته للإصلاح القضائي مساساً بالديمقراطية، وهي خطة أثارت احتجاجات أسبوعية حاشدة شلت الشارع الإسرائيلي قبل الحرب وخلالها.

وفي ملف العملية السلمية، نجح نتنياهو في تجميد المفاوضات مع الفلسطينيين تماماً، فيما ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية بنسبة كبيرة، ليبلغوا مستويات قياسية جعلت حلّ الدولتين أبعد منالاً من أي وقت مضى.

الوجه الإعلامي وإدارة الخطاب

لا تُدار المعركة السياسية والعسكرية في إسرائيل بالقرارات وحدها، بل بالرسائل الموجَّهة إلى الرأي العام أيضاً. وفي هذا الإطار يبرز استخدام أدوات إعلامية موجهة مثل أفيخاي أدرعي، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، لتوجيه الخطاب للجمهور العربي مباشرة، كجزء من استراتيجية البروباغندا التي صاغها نتنياهو على مدار عقود لتوظيف الإعلام والخطاب الموجّه لخدمة مشروعه السياسي والأمني.

إرث محل سجال وعزلة دولية

في الختام، تبقى سيرة هذا السياسي المخضرم مادة للجدل الشديد؛ إذ يجتمع فيها طول البقاء غير المسبوق في السلطة مع انقسام داخلي حاد، وعزلة دولية متصاعدة لم تشهدها إسرائيل منذ تأسيسها. فبينما يراه أنصاره حامياً لأمنهم، يرى فيه المجتمع الدولي والقانون الدولي عقبة أمام السلام ووجهاً ملاحقاً بتهم جرائم الحرب.

برأيك يا بوكي، هل تنجح العزلة الدولية ومذكرات الاعتقال في إنهاء ظاهرة نتنياهو السياسية، أم أن الانقسام الداخلي هو من سيحسم المشهد في النهاية؟

شاركها.
Exit mobile version