رحيل جورج بازيليتس: وداعاً لعملاق التعبيرية الجديدة وفرادة الابداع

ببالغ الأسى والحزن، ودّع عالم الفن التشكيلي يوم الخميس الفنان الألماني الشهير جورج بازيليتس، تاركاً وراءه إرثاً فنياً خالداً ومسيرة حافلة بالابتكار والجُرأة. اشتهر بازيليتس، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 88 عاماً، بأسلوبه التعبيري الجديد الذي تميز بالجرأة والاستفزاز، وبالأخص بتقديمه للصور بشكل مقلوب، ليصبح هذا الأسلوب بصمة لا تُنسى في تاريخ الفن الحديث.

نشأة في ظل الدمار: جذور فنان عالمي

وُلد هانز جورج كيرن في 23 يناير 1938 في قرية دويتشبازيليتس بمنطقة ساكسونيا الشرقية، تحت وطأة ألمانيا النازية وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. نشأ كيرن، الذي اتخذ لاحقاً اسم عائلته كاسم فني، وسط دمار الحرب، وهي التجربة القاسية التي شكلت لاشك عميقاً نظرته للعالم ولممارساته الفنية. وفي عام 1957، أتخذ قراراً مصيرياً بمغادرة ألمانيا الشرقية آنذاك، بحثاً عن مساحة أكبر للتعبير في الغرب، في ظل التزايد المتصاعد للضغوط السياسية.

لاحقاً، وفي حوار له قبل عيد ميلاده الخامس والثمانين، وصف بازيليتس هذه المرحلة قائلاً: “لقد ولدت في نظام مدمر، في منظر طبيعي مدمر، في شعب مدمر، في مجتمع مدمر”. هذه الكلمات تلخص بوضوح التأثير العميق للبيئة التي نشأ فيها على شخصيته الفنية ورؤيته للعالم.

“فنان الغضب” والتمرد على المألوف

لم تأتِ شهرة جورج بازيليتس من فراغ، فقد عُرف بكونه “فنان الغضب”، يحمل شعار “التناقض” في أعماله. لُقب بـ “عملاق الرسم والنحت والرسم والطباعة المعاصرة” و”أحد أهم الفنانين في عصرنا”، وكان له تأثير بالغ على الأجيال المتعاقبة من الفنانين والمشهد الفني الدولي.

معرضه الأول في عام 1963 أحدث ضجة كبيرة، حيث اعتبرت سلطات الآداب أن بعض لوحاته تحمل مواد إباحية، مما أدى إلى مصادرتها. هذا الاستفزاز المتعمد والرفض للتنازل عن رؤيته الفنية كانا جزءاً لا يتجزأ من شخصيته.

“البطل” الممزق والبحث عن المعنى

من أبرز أعماله المبكرة التي جلبت له الشهرة في الستينيات، سلسلة لوحات “البطل”. تميزت هذه السلسلة، ذات اللون الذهبي، بشخصيات خيالية مستوحاة من روايات الحرب الأهلية الروسية. صورت الأعمال شخصيات مهشمة، تترنح نحو المشاهد بزيها الرسمي الممزق، مع تشوهات في الأبعاد، وأيدٍ عملاقة، ورؤوس صغيرة. وقد اكتسبت لوحة “دير هيرت (الراعي)”، التي تصور راعياً منهكاً من المعركة عام 1966، شهرة عالمية واسعة.

قلب العالم رأساً على عقب: بصمة بازيليتس الأيقونية

في عام 1969، قدم جورج بازيليتس لوحة “Der Wald auf dem Kopf” (الغابة على رأسها)، وهي أولى لوحاته “المقلوبة”. هذه اللوحة، التي تصور الأشجار مقلوبة، كانت بداية أسلوبه المميز والغريب الذي أصبح لاحقاً علامته التجارية.

علق الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير على هذا الجانب من فن بازيليتس قائلاً: “لم يقم جورج بازيليتس بقلب لوحاته رأسًا على عقب فحسب، بل قلب أيضًا روتين تفكيرنا رأسًا على عقب”. وأضاف أن تجربته مع دمار الحرب العالمية الثانية قد دفعته إلى التشكيك في كل ما حوله.

رؤية فريدة للفن: دعوة للتأمل

لم يكن جورج بازيليتس محباً للأساليب التقليدية في الرسم. فقد عبّر عن رغبته في بناء علاقة أعمق مع العالم ومع ذاته، باستخدام أبسط الوسائل وأكثرها اعتيادية. ورغم أنه لم يعتبر نفسه رسام ألوان في البداية، إلا أن قدرته على توظيف الألوان ببراعة برزت في أعماله، وهو ما أشار إليه الكثيرون.

امتداداً لرحلته الفنية، استضافت مؤسسة جورجيو سيني في البندقية معرضاً لأعماله “الأبطال الذهبيين” في الفترة من 6 مايو إلى 27 سبتمبر. كما استكشف معرض “Naked Masters” في متحف Kunsthistorisches في فيينا عام 2023 مسيرته المهنية التي استمرت لنصف قرن، متناولاً موضوعات العري المثيرة للجدل.

إرث مستمر

لقد ترك جورج بازيليتس فراغاً كبيراً في عالم الفن، لكن أعماله الخالدة ستظل مصدر إلهام للعديد من الفنانين وعشاق الفن عبر الأجيال. لقد تحدى باستمرار المفاهيم السائدة، ودفع حدود الإبداع، وقدم رؤية فريدة للعالم عبر لوحاته التي لا تُنسى.

نجا من زوجته وأبنائه دانييل بلاو وأنطون كيرن، ليحملوا معهم ذكرى هذا الفنان الاستثنائي.

شاركنا رأيك في أعمال جورج بازيليتس، وما هو الأثر الذي تركته فيك؟

شاركها.