قرار تاريخي: القضاء يلغي تعليمات ترامب بوقف تمويل العلوم الإنسانية

في تطور قضائي بارز، أصدر قاضٍ اتحادي في نيويورك يوم الخميس قراراً تاريخياً يلغي قرار إدارة ترامب بوقف أكثر من 100 مليون دولار من المنح المخصصة للعلوم الإنسانية. وقد شمل هذا القرار تمويلاً موجهاً لعلماء وكتاب ومجموعات بحثية ومنظمات أخرى، حيث حكم القاضي بأن وقف هذه المنح كان “غير دستوري” وأن وزارة الكفاءة الحكومية لم تمتلك السلطة القانونية لإنهاء التمويل.

ارتكزت القاضية الأمريكية كولين ماكماهون في مانهاتن على حجج قدمتها نقابة المؤلفين والعديد من المجموعات والأفراد الذين تأثروا بوقف المنح، بما في ذلك الصندوق الوطني للعلوم الإنسانية. وبموجب حكمها، منعت القاضية الإدارة بشكل دائم من إنهاء هذه المنح، وانتقدت بشكل خاص استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل أجهزة الإدارة في عملية وقف التمويل، مما يثير تساؤلات حول شرعية هذه الإجراءات.

دوافع الإدارة وتفنيد حججها

جادل محامو الحكومة بأن تخفيض أكثر من 1400 منحة، من أموال وافق عليها الكونغرس، كان خطوة قانونية لتنفيذ توجيهات الرئيس دونالد ترامب. وقد ربطت الإدارة وقف المنح بإنهاء ما اعتبرته “مساعدات مالية” مرتبطة ببرامج التنوع والإنصاف والشمول (DEI)، وتقليص الإنفاق التقديري ضمن أولويات الإدارة.

ومع ذلك، رفضت القاضية ماكماهون هذه الحجج، مؤكدة أن الحكومة انتهكت التعديل الأول للدستور وحق الحماية المتساوية المنصوص عليه في التعديل الخامس. وشددت على أن وزارة الكفاءة الحكومية لم تكن تمتلك السلطة القانونية لإلغاء هذه المنح. ووصفت القاضية إلغاء المنح بناءً على معايير التنوع والإنصاف والشمول بأنه “مثال نموذجي للتمييز غير الدستوري على أساس وجهة النظر”.

صدى القرار وأهميته

أشادت العديد من المجموعات التي رفعت الدعوى القضائية ضد الحكومة، ومن ضمنها المجلس الأمريكي للجمعيات العلمية، والجمعية التاريخية الأمريكية، وجمعية اللغات الحديثة، بالقرار باعتباره إنجازاً هاماً. وقالت سارة ويكسل، المديرة التنفيذية للجمعية التاريخية الأمريكية: “يعد هذا الحكم إنجازاً مهماً في جهودنا لاستعادة قدرة NEH على إنجاز المهمة الحيوية التي كلفها بها الكونجرس: المساعدة في خلق واستدامة ‘مناخ يشجع حرية الفكر والخيال والبحث’ من خلال العلوم الإنسانية”.

كما وصف ينكا حزقيال أونايمي، محامي نقابة المؤلفين، إلغاء المنح بأنه “اعتداء مباشر على حرية التعبير الدستورية والحماية المتساوية”. وأضاف: “نحن سعداء بقرار المحكمة، الذي يبرئ موكلينا: الأكاديميون والكتاب والمؤسسات الرائعة الذين يقومون بعمل مهم للغاية لديمقراطيتنا”. وأكد أن القرار يؤكد مجدداً أن التزام الكونغرس تجاه العلوم الإنسانية لا يمكن تفكيكه من قبل سلطة تنفيذية متجاوزة.

دور الذكاء الاصطناعي في القرار

أحد الجوانب المثيرة للاهتمام في الحكم هو تركيز القاضية على استخدام مسؤولي الحكومة للذكاء الاصطناعي، وتحديداً ChatGPT، في تحديد المشاريع التي تندرج ضمن فئة التنوع والإنصاف والشمول (DEI) وبالتالي استهدافها بوقف التمويل. أشارت القاضية إلى حالات قام فيها المسؤولون، باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بتصنيف مختارات بعنوان “في ظل المحرقة: رواية قصيرة لكتاب يهود من الاتحاد السوفيتي” كمنح تتعلق بـ DEI.

رفضت القاضية حجت الحكومة بأن مشكلة التمييز على أساس وجهة النظر غير دستورية لأنها نتاج ChatGPT وليست فعل الحكومة المباشر. وكتبت: “كان ChatGPT هو الأداة التي اختارتها الحكومة لأغراض هذا المشروع، واستخدام DOGE للذكاء الاصطناعي لتحديد المواد ذات الصلة بـ DEI لا يعفي السلوك غير الدستوري المفترض ولا يمنح الحكومة تفويضاً مطلقاً للمشاركة فيه”.

السياق التاريخي والتأثير المستقبلي

كان إلغاء المنح قد أُعلن في أبريل 2025, عقب شهرين من إصدار الرئيس ترامب لأوامر تنفيذية تهدف إلى إنهاء ما وصفها بـ “برامج DEI الحكومية المتطرفة والمهدرة”. أرسل القائم بأعمال رئيس الصندوق الوطني للعلوم الإنسانية رسائل للمستفيدين لإبلاغهم بقرار وقف المنح، مبرراً ذلك بأن الصندوق “يعيد تخصيص مخصصات التمويل الخاصة بها في اتجاه جديد لتعزيز أجندة الرئيس”.

من المثير للاهتمام أن القاضية أشارت إلى أن العديد من المنح الملغاة تم تقديمها خلال إدارة بايدن، وهذا يشير إلى أن التخفيضات لم تستثنِ منحًا حديثة. وخلصت القاضية إلى أنه بينما قد تسعى الإدارة الجديدة إلى تحقيق أولويات تمويل مشروعة، إلا أنها “ليس لديها ترخيص لقمع الأفكار غير المفضلة”.

يشكل هذا الحكم ضربة قوية لمحاولات التقييد على حرية الفكر والتعبير في مجال العلوم الإنسانية، ويعيد التأكيد على أهمية الدور الرقابي للقضاء في ضمان التزام السلطات التنفيذية بالدستور والقوانين. كما يثير تساؤلات جدية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في صنع القرارات الحكومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقييم المحتوى الأكاديمي والثقافي.

يشدد هذا القرار على أن المصلحة العامة تفضل الإجراءات التي تضمن تصرف المسؤولين الفيدراليين ضمن الحدود التي حددها الكونغرس والدستور. ومن المتوقع أن يكون له تأثير طويل الأمد على مستقبل تمويل العلوم الإنسانية في الولايات المتحدة، ويعزز من نضال المدافعين عن حرية البحث العلمي والإبداع.

شاركها.