مفاوضات سويسرية أمريكية إيرانية: آمال بحل دبلوماسي وتسليط الضوء على التحديات
تتجه الأنظار نحو سويسرا يوم الخميس، حيث من المقرر أن تعقد الولايات المتحدة وإيران جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة. تهدف هذه المفاوضات إلى التوصل إلى اتفاق قد يجنب المنطقة مزيدًا من الصراع المتصاعد، ويضع حدًا لأسابيع من التهديدات المتبادلة. يأتي هذا الاجتماع الهام وسط تصاعد التوترات، مما يضع آفاق السلام على المحك.
بناء عسكري أمريكي وتهديدات رئاسية: خلفية المحادثات
تأتي هذه الجولة من المفاوضات في جنيف بعد فترة من التصعيد الكبير، حيث قامت الولايات المتحدة بتعزيز تواجدها العسكري بشكل كبير في المنطقة. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بضرب إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه يوم الثلاثاء، وجه ترامب اتهامات صريحة لإيران، واصفًا إياها بـ “الساعية لأهداف نووية شريرة”. كما زعم أن طهران “طورت بالفعل صواريخ يمكن أن تهدد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وأنهم يعملون على بناء صواريخ ستصل قريبًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية”.
الرد الإيراني على الاتهامات الأمريكية
لم تتأخر وزارة الخارجية الإيرانية في الرد على هذه الاتهامات، واصفة إياها بأنها “أكاذيب كبيرة”. وأوضحت طهران أن الحد الأقصى لمدى صواريخها هو 2000 كيلومتر (1200 ميل)، وفقًا لما أعلنته بشكل رسمي.
من ناحية أخرى، تقدر خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكية أن مدى هذه الصواريخ يصل إلى حوالي 3000 كيلومتر، وهو ما يقل عن ثلث المسافة إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة. هذا التباين في تقديرات المدى يلقي بظلاله على النقاشات النووية والصاروخية.
محور الخلاف: البرنامج النووي الإيراني وتحديات أخرى
يدور النزاع الرئيسي بين البلدين حول البرنامج النووي الإيراني، الذي يعتقد الغرب أنه يهدف إلى بناء قنبلة ذرية، بينما تصر طهران على أن هدفه سلمي بحت. ومع ذلك، تسعى الولايات المتحدة أيضًا إلى مناقشة برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، بالإضافة إلى دعم طهران للجماعات المسلحة المعادية لإسرائيل.
موقف أمريكي واضح بشأن البرنامج الصاروخي
حذر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، من أن إيران يجب أن تتفاوض أيضًا بشأن برنامجها الصاروخي، واصفًا رفض طهران مناقشة الأسلحة الباليستية بأنه “مشكلة كبيرة جدًا” عشية المحادثات. ومع ذلك، أضاف أن “الرئيس يريد حلولاً دبلوماسية”.
المطالب الإيرانية: رفع العقوبات أولاً
من جانبها، وضعت إيران أي قضية تتجاوز البرنامج النووي خارج طاولة المفاوضات. وطالبت بأن تكون العقوبات الاقتصادية الخانقة على اقتصادها جزءًا من أي اتفاق يتم التوصل إليه. هذا الموقف يضع تحديًا إضافيًا أمام أي تقدم في المحادثات.
“لا حرب ولا سلام”: آمال بحل وسط
أعرب الرئيس الإيراني، مسعود بيزشكيان، يوم الأربعاء عن “تفاؤل إيجابي تجاه المفاوضات”، معربًا عن أمله في أن تساهم هذه المحادثات في “تجاوز هذا الوضع الذي لا حرب ولا سلام”.
ووصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي يترأس الوفد الإيراني في المحادثات، هذه الجولة بأنها “فرصة تاريخية”، مضيفًا أن التوصل إلى اتفاق “بات قريبًا”.
في بيان لوزارة الخارجية، أشار عراقجي إلى أن نجاح المفاوضات يعتمد “على جدية الطرف الآخر وتجنبه للسلوك والمواقف المتناقضة”. هذا التأكيد على أهمية الجدية والانسجام في المواقف يعكس مدى حساسية هذه المرحلة.
تاريخ سابق من المحاولات والمقاطعات
سيمثل الولايات المتحدة في هذه المحادثات المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب.
تجدر الإشارة إلى أن البلدين عقدا محادثات سابقة في سلطنة عمان، التي تلعب دور الوسيط، ثم اجتمعا في جنيف الأسبوع الماضي. فشلت محاولة سابقة للمفاوضات عندما شنت إسرائيل ضربات مفاجئة على إيران في يونيو الماضي، مما أدى إلى حرب استمرت 12 يومًا شاركت فيها واشنطن لفترة وجيزة لقصف مواقع نووية إيرانية.
تصاعد التوتر مؤخرًا: احتجاجات وقمع
في يناير الماضي، اندلعت توترات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران بعد قيام طهران بقمع دموي للاحتجاجات الواسعة التي شكلت أحد أكبر التحديات التي واجهت الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. هدد ترامب عدة مرات بالتدخل “لمساعدة” الشعب الإيراني.
توقعات المنطقة: هل ندخل مرحلة جديدة؟
يشير إيميل حكيم، زميل أبحاث الأمن في الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى أن “المنطقة تبدو مستعدة للحرب في هذه المرحلة”. وأضاف أنه في يناير، كان هناك “دفع كبير من عدد من الدول الشرق أوسطية لإقناع الولايات المتحدة بعدم” ضرب إيران.
“لكن هناك الكثير من المخاوف في هذه المرحلة، لأن التوقع هو أن هذه المرة” ستكون الحرب “أكبر” من تلك التي وقعت في يونيو.
نظرة المواطنين في طهران: مزيج من المخاوف والآمال
تفاوتت آراء سكان طهران الذين تحدثوا إلى وكالة فرانس برس حول ما إذا كان هناك صراع متجدد. لفتت ربة منزل تدعى طيبة إلى أن ترامب “قال إن الحرب ستكون سيئة جدًا لإيران”.
وأضافت: “سيكون هناك مجاعة ويعاني الناس كثيرًا. الناس يعانون الآن، ولكن على الأقل مع الحرب، قد يكون مصيرنا واضحًا”.
خاتمة: الآفاق المستقبلية والمطالبة بالاستقرار
تتسم هذه المحادثات الحالية بأهمية بالغة، حيث تحمل في طياتها الأمل في تجاوز حالة “لا حرب ولا سلام” التي استمرت لفترة طويلة. يبقى التحدي الكبير في قدرة الطرفين على إيجاد أرضية مشتركة، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني. إن التوصل إلى حل دبلوماسي مستدام لن يجنب المنطقة صراعًا مدمرًا فحسب، بل سيفتح أيضًا آفاقًا جديدة للتعاون والاستقرار. ستراقب الأسرة الدولية عن كثب ما ستسفر عنه هذه المفاوضات الحاسمة.
