في عالم السينما، غالبًا ما تُثار تساؤلات حول الدور الذي تلعبه الأفلام في تشكيل الوعي، وما إذا كانت أداة لسرد التاريخ فحسب، أم أنها قادرة على تغيير مساره. المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد، المعروف بآرائه الجريئة، يضع رؤيته السينمائية في قالب جديد مع فيلمه الأخير “نعم” (Yes)، الذي يهدف إلى “هز أرواح الناس” حسب تعبيره. هذا الفيلم، الذي يلامس قضايا معقدة في مجتمع مضطرب، يعرض لمحة نقدية قد تثير نقاشات واسعة.
## “نعم”: رحلة بين الهوية والفوضى
يُقدم فيلم “نعم” رحلة سينمائية غير تقليدية، حيث يتتبع قصة موسيقي وراقصة في تل أبيب، يواجهان تناقضات حياتهما بين تربية ابنهما الجديد وسهراتهما الليلية الصاخبة في حفلات أزياء البالغين الأثرياء. تبدو الحياة مزيجًا بين العواطف الجياشة واضطرابات الهوية، وبين الانغماس في الملذات السطحية وواقع المسؤوليات اليومية.
تبدأ هذه الرحلة السريالية في التقلب لتتحول إلى بحث عن الذات ومعنى الوجود، خاصة عندما يُكلف الموسيقي “Y” بتأليف نشيد وطني جديد. هذا الطلب يضعه أمام تحدٍ يجبره على مواجهة قناعاته ومخاوفه، ويعكس حالة الانقسام الداخلي التي يعيشها.
## انعكاسات مجتمع على حافة الهاوية
يأتي فيلم “نعم” في سياق زمني حساس، بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 والهجوم على إسرائيل، والذي أعقبه رد عسكري أدى إلى خسائر فادحة. بدأ لابيد في كتابة السيناريو قبل الهجوم، ولم يجرِ سوى تعديلات طفيفة بعده، مشيرًا إلى أن النسخة الأولى كانت تصور مجتمعًا “على حافة الهاوية الأخلاقية، على حافة الانهيار، على حافة الكارثة”.
ويرى لابيد أن الأحداث الأخيرة “حررت” المشاعر والأفكار والرغبات المكبوتة، سواء كانت إيجابية أو سلبية. هذا الشعور بأن المجتمع كان يقف بالفعل على حافة الانهيار يجعل من فرضية الفيلم أكثر واقعية وتأثيرًا.
### التحديات الوطنية ومشاهدة الذات
على الرغم من انتقادات لابيد المتكررة للحكومة الإسرائيلية، إلا أنه يعرب عن تفهمه للمشاعر المعادية لإسرائيل التي تنتشر عالميًا. ولكنه يرى أن هذا الشعور قد يكون موجهًا بشكل خاطئ في بعض الأحيان.
“من السهل جدًا إسقاط كل شيء… وتحويل إسرائيل إلى نوع من… الشبح”، يوضح لابيد. ويعتقد أن هذا التبسيط قد يمنع الناس من “النظر إلى أنفسهم في المرآة، ومراقبة أنفسهم ومجتمعاتهم”.
يصر لابيد على أن فيلم “نعم” لا يتعلق بإسرائيل بحد ذاتها، بل يستخدمها كمسرح لمراقبة “الشعور القوي بالفوضى” الذي يراه سائدًا في العالم اليوم. ويرى أن هذا التوجه هو ما يمنح الفيلم قدرته على التواصل مع الجمهور، حيث يمكن لرواد السينما رؤية تشابهات بين حياتهم وحياة الشخصيات.
### عنف السلطة واللامبالاة الفنية
يقدم الفيلم رؤية نقدية لمجتمع يُصوَّر وكأنه “يعبد القوة والمال فقط، ويحتقر الفن والحساسية والرقة، حيث لا يتحدث الناس بعد الآن”. يصف لابيد هذا المزيج بأنه “خليط بين الابتذال والقومية والسلطوية”، وهو اتجاه يراه يتسلل إلى أماكن كثيرة حول العالم.
إن طرح مثل هذه القضايا الجريئة في سيناريو فيلم سياسي، يجعل من “نعم” عملًا فنيًا مثيرًا للتأمل.
## الرقص مع الشيطان: الخوف والقبول
يستكشف الفيلم مفهوم الخوف، وهو شعور يعتقد لابيد أنه منتشر بشكل كبير في عصرنا الحالي. فبطل الفيلم، “Y”، يختار مواجهة هذا الخوف بالقول “نعم” بدلًا من المقاومة.
هذه الاستجابة، كما يرى لابيد، هي impulse إنساني أساسي. “كلنا نبحث عن الانتماء، نريد أن نحب وأن نُحب، وأن نعتقد في النهاية أن كل شيء على ما يرام”.
لكن هذا السعي للقبول والسلام الداخلي قد يقود إلى ما وصفه لابيد بـ “الرقص مع الشيطان”. “أعتقد أن ما يميز هذه اللحظة هو أن الناس يخافون”.
ينطلق فيلم “نعم” في صالات عرض مختارة بالولايات المتحدة يوم الجمعة، مقدمًا فرصة للجمهور للتعمق في هذه القضايا المعقدة التي تتجاوز حدود الأوطان إلى صميم التجربة الإنسانية.
## الخلاصة
يقدم ناداف لابيد في فيلم “نعم” رؤية سينمائية جريئة تتجاوز مجرد سرد القصص لتلامس أعماق النفس البشرية والمجتمعات المعاصرة. من خلال مزجه للخيال السوداوي بالواقع المؤلم، يدعو الفيلم المشاهدين إلى التفكير في مفاهيم الهوية، الخوف، القبول، والتحديات الأخلاقية التي نواجهها يوميًا. إنه تذكير بأن السينما، في أفضل صورها، قادرة على فتح حوارات ضرورية، حتى لو كانت مؤلمة، حول الحالة الإنسانية في عالم دائم التغير.
