رحلة البحث عن الأمان: مجتمع الميم يعاني في لبنان وسط الأزمات المتلاحقة

في جنوب لبنان المحافظ، كانت حياة محمد كرجل مثلي الجنس محفوفة بالتحديات قبل اشتعال الحرب. إلا أن الضربات الإسرائيلية على مسقط رأسه في مارس/آذار الماضي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، مما دفعه للبحث عن ملجأ نادر في بيروت يضم أفراد مجتمع الميم (LGBT). بينما يعيش معظم النازحين، الذين يتجاوز عددهم المليون شخص، مع الأقارب أو في شقق مستأجرة، ويلجأ بعضهم الآخر إلى الملاجئ الحكومية، يجد أفراد مجتمع الميم أنفسهم في وضع أكثر هشاشة، غالباً ما يواجهون الرفض العائلي والتمييز الحكومي وصعوبات مالية متفاقمة.

تحديات فريدة تواجه النازحين من مجتمع الميم

في حين كانت لبنان تُعتبر ملاذاً نسبياً لمجتمع الميم في منطقة الشرق الأوسط المعروفة بمحافظتها، فإن الحوادث الأخيرة، بما في ذلك تعطيل عرض Drag في عام 2023 من قبل حشود غاضبة، تركت أفراد مجتمع الميم يشعرون بعدم الأمان، بحسب نشطاء.

تأثرت حياة محمد بشكل مباشر عندما استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية المبنى الذي كان يقيم فيه مع شقيقه بالقرب من مدينة صيدا الساحلية، وذلك بعد أسبوعين فقط من بدء الحرب في 2 مارس/آذار. يذكر محمد، الذي تحدث إلى رويترز بشرط عدم الكشف عن اسمه الكامل، أن أقاربه لم يتقبلوا ميوله الجنسية قط ومنعوه من استقبال الزوار.

بعد قصف منزلهم، فرّ محمد إلى العاصمة اللبنانية، حيث يشارك الآن غرفة في ملجأ تديره منظمتا “حلم” (Helem) و”فسيفساء” (Mosaic) للدفاع عن حقوق مجتمع الميم. “لقد كان مكاناً آمناً، بل شعرت براحة نفسية بمجرد وصولي،” يقول محمد.

ندرة الخيارات المتاحة

تُصمم الملاجئ الحكومية لاستيعاب الأسر، وغالباً ما تستبعد الأفراد الذين لا يعتبرون جزءاً من وحدة عائلية تقليدية، كما يشرح دوميت عزي، منسق الاتصالات في منظمة “حلم”. ونتيجة لذلك، غالباً ما يكون الملجأ الذي فتحته “حلم” و”فسيفساء” هو الملاذ الوحيد لأفراد مجتمع الميم في لبنان.

تم تجهيز غرف الملجأ بأثاث تم التبرع به، بما في ذلك أسرة بطابقين لزيادة عدد الأشخاص الذين يمكن استيعابهم. يقوم أحد أفراد مجتمع الميم المقيمين في مكان آخر بتوفير وجبات ساخنة للمقيمين. يتم الحفاظ على سرية موقع الملجأ لتجنب أي ردود فعل سلبية من أفراد المجتمع اللبناني المحافظ.

على الرغم من أن الملجأ هو مجرد منزل مؤقت، إلا أن محمد يشعر بالقدرة على العيش بصدقه. “أنا محمد، هذا كل شيء. بالطريقة التي أريد أن أكون بها، وليس بالطريقة التي يريدها الآخرون،” يعبر.

تفاقم المخاطر خلال الأزمات

أدت الحرب إلى تفاقم المخاطر التي يواجهها أفراد مجتمع الميم، حسبما أفاد موظفو الملجأ. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في 16 أبريل/نيسان، إلا أن استمرار الأعمال العدائية منع الكثيرين من العودة إلى ديارهم. تتلقى خط المساعدة الذي تديره منظمة “فسيفساء” حوالي 100 مكالمة يومياً تطلب المساعدة، وفقاً لسَمر، الأخصائية الاجتماعية في المنظمة، والتي طلبت أيضاً عدم الكشف عن اسمها الكامل.

“في الأوقات العادية ودون حرب، هناك العديد من المخاطر التي يتعرض لها أفراد مجتمع الميم، خاصة فيما يتعلق بالحماية. ماذا لو كان هناك حرب؟” تتساءل. تشير إلى أن الأزمات غالباً ما تفاقم الثغرات في أنظمة الحماية الاجتماعية في لبنان وتعمق التمييز ضد أفراد مجتمع الميم.

الأشخاص المتحولون جنسياً: شريحة أكثر عرضة للخطر

يُعد الأشخاص المتحولون جنسياً، على وجه الخصوص، أكثر عرضة للخطر بسبب الصعوبات التي يواجهونها في الحصول على وثائق قانونية تعترف بجنسهم.

يقيم في الملجأ أيضاً شخص مصري طلب تحديد هويته باسم مينا لأسباب أمنية، وقد وصل في يناير/كانون الثاني بعد فراره من مصر حيث تعرض للاضطهاد بصفته رجلاً متحولاً جنسياً.

لكن حتى في بيروت، واجه مينا التمييز. عند نقطة تفتيش، والتي افترض أنها تابعة للحكومة، طُلب منه إبراز أوراقه، لكن بطاقة هويته الوحيدة كانت تفيد بأنه أنثى. “أنا رجل متحول جنسياً، كانوا ينظرون إلى الوثيقة ثم ينظرون إلي، وتم قول أشياء لا ينبغي قولها” بسبب مدى إهانتها، كما يروي مينا.

في أروقة الملجأ الهادئة، يشعر بالأمان. “نحاول أن نعامل بعضنا البعض بطريقة تعاونية، نساعد بعضنا البعض، ونحاول أن نكون أصدقاء،” يقول. “إذا احتاج أحدنا إلى المساعدة، كان الآخر يقف بجانبه.”

خلاصة

تُبرز تجارب محمد ومينا وغيرهم من أفراد مجتمع الميم في لبنان التحديات المزدوجة التي تفرضها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى الحرب، على الفئات الأكثر ضعفاً. في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم والحماية، يبقى توفير ملاذات آمنة وملائمة لاحتياجات مجتمع الميم أولوية قصوى. إن هذه القصص تذكرنا بأهمية العمل على بناء مجتمع أكثر شمولاً وتفهماً، حيث يمكن للجميع العيش بكرامة وأمان، بغض النظر عن هويتهم الجنسية.

شاركها.