باكستان: رحلة تحول لافتة في السياسة الإقليمية والدولية

في تحول دبلوماسي مذهل، خرجت باكستان من عزلتها الإقليمية التي فرضت عليها قبل عام لتصبح اليوم شريكاً إقليمياً موثوقاً ووسيطاً رئيسياً في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وهو مسار لم يكن ليتحقق لولا الدور المحوري لقائد الجيش الباكستاني، المشير أسيم مونير. هذا التحول، الذي يمثل قصة نجاح بارزة للدولة الواقعة في جنوب آسيا، يعكس استراتيجية معقدة لتحسين صورتها الدولية وتعزيز مكانتها على الساحة العالمية.

صعود الدور الباكستاني: استراتيجية عسكرية ودبلوماسية

لقد شهدت الأشهر الأخيرة تعزيزاً لافتاً للدور الباكستاني على الصعيدين الإقليمي والدولي. يعود الفضل في جزء كبير من هذا التصاعد إلى الدور النشط الذي لعبه المشير أسيم مونير، حيث استقبلته الولايات المتحدة على أعلى المستويات، بما في ذلك لقاءات مطولة مع الرئيس دونالد ترامب، مما يشير إلى الاعتراف الأمريكي بالثقل الذي يملكه الجيش الباكستاني في صنع القرار.

بالإضافة إلى ذلك، قامت الحكومة الباكستانية بتعزيز سمعتها الدولية من خلال حملات دبلوماسية واسعة النطاق، شملت تواصلًا مكثفًا مع قادة العالم. كما تم تعزيز العلاقات مع الحليف الرئيسي، الصين.

إعادة بناء الثقة مع واشنطن: نقاط تحول حاسمة

ظلت العلاقات الباكستانية الأمريكية متوترة منذ مقتل أسامة بن لادن في باكستان عام 2011. وتفاقم الوضع بسبب سجن رئيس الوزراء السابق عمران خان، بالإضافة إلى ادعاءات واشنطن بدعم باكستان لطالبان خلف الكواليس خلال الحرب الأفغانية التي استمرت 20 عامًا.

لكن نقطتي تحول رئيسيتين ساهمتا في استعادة باكستان لثقة واشنطن.

عملية استعادة الثقة الأولى: القبض على إرهابي

جاء الاختراق الأول في مارس من العام الماضي، عندما ساعدت باكستان في القبض على مشتبه به مرتبط بتفجير مطار كابول عام 2021، والذي أسفر عن مقتل 170 أفغانيًا و 13 جنديًا أمريكيًا. أثمر هذا التعاون عن شكر علني من الرئيس ترامب، وتجديد تبادل المعلومات الاستخباراتية.

هذا التعاون الاستخباراتي كان “حاسمًا” في عكس عقود من انعدام الثقة، بحسب ما ذكرت مليحة لودهي، سفيرة باكستان السابقة لدى الولايات المتحدة.

الاشتباك الحدودي مع الهند: دبلوماسية ضبط النفس

في مايو، عزز اشتباك مع العدو القديم، الهند، من هذا التحول. فقد وفر الصراع الذي استمر 90 ساعة دفعة هائلة للمصداقية الدبلوماسية لباكستان، نظرًا لأن “القيادة العسكرية الباكستانية أظهرت ضبط نفس هائلاً بعد إسقاط طائرات حربية هندية بنجاح”، وفقًا لمتحدث باسم وزارة الخارجية.

سارعت باكستان إلى إشراك الولايات المتحدة في جهود إنهاء الصراع بين الجارتين المسلحتين نوويًا. ولاحقًا، رشح كل من المشير مونير ورئيس الوزراء شهباز شريف الرئيس ترامب لجائزة نوبل للسلام، مما يعكس محاولات بناء جسور مع القوة الأمريكية.

أدوات القوة: تحالف مدني-عسكري متين

حتى عندما تكون الحكومات الديمقراطية في السلطة في باكستان، يظل الجيش هو المتحكم في أدوات السلطة. وبالتالي، يصبح موافقة المشير مونير ضرورية لأي سياسة حكومية.

زيارة مونير إلى البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يستقبل فيها رئيس أمريكي بالنيابة رئيس أركان جيش دولة دون حضور قيادة مدنية، أشارت إلى أن ترامب أدرك بنية السلطة الداخلية في باكستان.

صرح مسؤولون حكوميون بأن “التحول” الذي تمر به البلاد قد حفزته تحالف قوي بين القيادتين المدنية والعسكرية، وقدرة على الموازنة بفعالية بين العلاقات مع دول الخليج والولايات المتحدة والصين.

“إذا كان هناك عامل واحد فوق كل العوامل الأخرى قد أدى إلى توسيع الفرصة الدبلوماسية لباكستان، فهو الثقة والتآزر بين المشير ورئيس الوزراء”، حسبما نقلت رويترز عن موشرف زيدي، المتحدث باسم شريف.

أبرز كل من زيدي والمتحدث باسم وزارة الخارجية مبادرات دبلوماسية من مكاتبهم، وسلسلة من الاجتماعات والمكالمات الهاتفية شبه اليومية مع زعماء العالم.

“المشير المفضل”: تعميق العلاقات مع واشنطن

منذ ذلك الحين، تعمقت العلاقات مع واشنطن من خلال المشاركة المتكررة بين القيادة المدنية والعسكرية الباكستانية والبيت الأبيض. عقد مونير وشريف محادثات مع الولايات المتحدة شملت فرص استثمار، وصفقة عملات مشفرة مع شركة مرتبطة بعائلة ترامب، وأمن الشرق الأوسط، مما رسخ “التحول” الباكستاني بمزيج من الصفقات التجارية والتحالفات الجيوسياسية.

كان المشير مونير، الذي وصفه ترامب بـ”مشيره المفضل”، الوحيد بين رؤساء الأركان العسكريين الحاضرين في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام. وتقول مصادر إنه أجرى المزيد من التفاعلات مع ترامب هناك، وتحدث مع نائب الرئيس جي دي فانس عدة مرات منذ بدء الحرب الإيرانية.

تواصل فانس مع وسطاء من باكستان بشأن النزاع الإيراني، مؤكداً انفتاح ترامب على وقف إطلاق النار إذا تم استيفاء مطالب معينة.

في غضون ذلك، عقد رئيس الوزراء شريف اجتماعات متكررة مع ترامب، وكذلك مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الإيراني مسعود بيزيشكيان.

قلق هندي وشكوك اقتصادية

ومع ذلك، فإن صعود باكستان على الساحة الدولية يثير القلق في الهند، التي كانت تتمتع عادةً بملف دبلوماسي أعلى من المنافسين. وتساءلت أحزاب المعارضة الهندية عن النهج “غير التدخلي” للحكومة في حرب الشرق الأوسط، ويرى المحللون أن صعود إسلام آباد يخاطر بتهميش نيودلهي على الساحة الدبلوماسية الإقليمية.

“لقد كنت أدعو منذ ما يقرب من ثلاثة أسابيع الهند إلى اتخاذ موقف ريادي، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الجانبين لدفع مبادرة سلام”، حسبما صرح النائب المعارض شاشي ثارور. “الآن، على ما يبدو، فعلت ذلك باكستان ومصر وتركيا. حظاً موفقاً لهن .. ولكن الهند لا تحصل على أي تقدير بينما تعقد باكستان محادثات السلام”.

لكن اقتصاد باكستان لا يزال مضطرباً، ويرى المحللون أنها تخاطر بالانجرار إلى الحرب بسبب اتفاق الدفاع مع المملكة العربية السعودية، مما قد يثير احتجاجات من طائفتها الشيعية، وهي ثاني أكبر طائفة في العالم بعد إيران.

كما أن إسلام آباد متورطة في صراعها الخاص مع أفغانستان المجاورة، والذي تصاعد قبل أيام قليلة من شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على طهران.

“يجب على باكستان أن تستمر في النظر إلى الداخل لتعزيز ركائز قوتها الوطنية، وخاصة اقتصادها”. صرح بذلك عُزير يونس من شركة الاستشارات الاستراتيجية The Asia Group. “كما تحتاج إلى بناء مجمع صناعي دفاعي متكامل بالشراكة مع المملكة العربية السعودية وتركيا”.

استراتيجية توازن صعبة

سيحتاج القيادة المدنية والعسكرية إلى استراتيجية طويلة الأجل لموازنة العلاقات مع إيران، وشراكة الدفاع مع الرياض، والعلاقات مع واشنطن وسط نزاع غير متوقع وقد يكون مطوّلاً.

“سيحتاج القيادة المدنية والعسكرية إلى توخي الحذر الشديد بشأن دور ونطاق مشاركة باكستان. قد يكون المبالغة في لعب دور الوسيط أكثر ضررًا إذا لم تتم إدارتها بذكاء”.

باختصار، تشهد باكستان حقبة دبلوماسية جديدة، مدعومة بقيادة عسكرية ورؤية استراتيجية تسعى لتحقيق التوازن على المستوى الدولي، وهي رحلة محفوفة بالفرص والتحديات الكبيرة.

شاركها.