سباق نحو السلاح النووي: مفاوضات جنيف وحرب الضغوط بين أمريكا وإيران
تتجه الأنظار مجددًا نحو جنيف، حيث تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى التوصل لاتفاق يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. وفي ظل هذه المفاوضات الدبلوماسية، يمارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا متزايدة على طهران عبر حشد القوات في الشرق الأوسط، بهدف دفعها نحو التوصل إلى صفقة ملزمة. يثير هذا التوتر قلقًا عالميًا، فما هي المخاطر الحقيقية، وما هي المطالب المتضاربة التي تعيق التقدم؟
ما على المحك؟ برنامج إيران النووي المعقد
على مدى عقود، طورت إيران برنامجًا متقدمًا وواسع النطاق لتخصيب اليورانيوم. بينما يمكن استخدام اليورانيوم المخصب كوقود لمحطات الطاقة بدرجات نقاء متفاوتة، إلا أنه يمكن في مستويات عالية استخدامه لإنتاج أسلحة نووية.
قبل الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على منشآتها النووية في يونيو الماضي، كانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60%، وهي خطوة قصيرة فقط من درجة النقاء المطلوبة لصناعة الأسلحة النووية، والتي تبلغ حوالي 90%.
ووفقًا لمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، امتلكت إيران كمية كافية من المواد المخصبة بهذا المستوى، والتي يمكن، إذا تمت معالجتها إلى مستويات أعلى، إنتاج 10 أسلحة نووية، بالإضافة إلى كميات أكبر بدرجات نقاء أقل.
ومع ذلك، لم تتمكن الوكالة، وهي الهيئة الرقابية النووية التابعة للأمم المتحدة، من التحقق من مدى بقاء مخزون هذا اليورانيوم. لم تكشف إيران بعد عن مصير هذه المواد، ولم تسمح للوكالة بتفتيش منشآتها النووية التي تعرضت للقصف.
وبالرغم من تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بمصانع التخصيب الإيرانية في الهجمات، إلا أن وضعها الدقيق، مثل وضع مخزون اليورانيوم، لم يتم التحقق منه بعد. هذا الغموض يضع ضبابية كبيرة على مسار مفاوضات جنيف.
ما الذي تريده الأطراف؟ طريق مسدود أم حل وسط؟
بعد هجمات يونيو، أبدت الأطراف مطالب متناقضة. فقد أعلنت الولايات المتحدة رغبتها في أن تتخلى إيران عن تخصيب اليورانيوم، بينما أكدت إيران أنها لن تفعل ذلك أبدًا.
لكن، كطرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تتمتع إيران بحق تخصيب اليورانيوم طالما أنها لا تستخدمه لإنتاج أسلحة نووية، وهو ما تنفيه بشدة.
في حين أن أي اتفاق قد يشمل مرحلة أولية تتوقف فيها إيران عن التخصيب، إلا أن الخيارات محدودة فيما يتعلق بما قد يسمح به أي اتفاق لبرنامج التخصيب الخاص بها.
تخصيب اليورانيوم في أماكن أخرى
في جولات سابقة من المفاوضات، طُرحت فكرة إنشاء اتحاد إقليمي لتخصيب اليورانيوم، يتضمن إقامة مشروع مشترك خارج إيران مع دولة أو أكثر من دول الشرق الأوسط. طهران لطالما رفضت ذلك كبديل للتخصيب على أراضيها.
تخصيب اليورانيوم لأغراض أخرى
يمكن استخدام أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات المخصصة لتخصيب اليورانيوم، لأغراض أخرى، مثل إنتاج ما يسمى بالنظائر المستقرة، والتي لها تطبيقات متعددة في الطب والأبحاث العلمية.
الصفقة التاريخية التي تم التوصل إليها عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، والتي انسحبت منها الولايات المتحدة في عام 2018، سمحت باستخدام أجهزة الطرد المركزي في موقع فوردو الإيراني المحصن تحت الأرض لإنتاج النظائر المستقرة فقط.
كان أحد الإجراءات الانتقامية لإيران بعد انسحاب ترامب هو البدء في تخصيب اليورانيوم في فوردو، وهو الموقع الذي قصفته الولايات المتحدة في يونيو.
تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء منخفضة
يصبح تخصيب اليورانيوم لدرجة النقاء المطلوبة لصناعة الأسلحة أسهل بشكل كبير كلما زادت درجة نقاء اليورانيوم الذي تبدأ به. من حيث الجهد، بمجرد وصولك إلى تخصيب بنسبة 5%، تكون قد قطعت أكثر من نصف الطريق نحو درجة النقاء المستخدمة في الأسلحة.
سيشمل إبقاء إيران على مسافة آمنة من القدرة على السباق نحو امتلاك أسلحة نووية تحديد مستوى النقاء الذي يمكنها الوصول إليه وكمية اليورانيوم المخصب التي يمكنها تجميعها.
في الصفقة المبرمة عام 2015، سُمح لإيران بالتخصيب إلى درجة نقاء 3.67%. وقد ذكر دبلوماسيون، على سبيل المزاح، أن رفض ترامب للصفقة قوي لدرجة أنه لن يقبل حتى هذا المستوى من التخصيب الآن.
ما الذي يحتاج إلى معالجة إضافية؟
لا بد لأي اتفاق مستقبلي أن يتضمن محاسبة دقيقة لمخزون إيران من اليورانيوم المخصب. أي شكوك حول هذا الجانب قد تشعل صراعًا جديدًا.
وكما حدث في عام 2015، فمن المرجح أن يتطلب الاتفاق تخفيف تركيز أو إزالة اليورانيوم المخصب، بالإضافة إلى تحديد عدد أجهزة الطرد المركزي وأماكن استخدامها.
نظرًا لأن إيران تعرف كيفية التخصيب باستخدام أجهزة طرد مركزي متقدمة، ولديها عدد غير معلوم من هذه الأجهزة مخزنة في مواقع غير معروفة، فإن خطر قيامها بالتخصيب سرًا قد يظل يخيم على أي اتفاق مستقبلي. هذا يجعل التحقق، وعلى الأرجح من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قضية مركزية في مفاوضات جنيف.
ختام
تظل مفاوضات جنيف معقدة ومليئة بالتحديات، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية والمخاوف الأمنية. يعتمد مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وبالتالي الاستقرار الإقليمي والعالمي، على قدرة الأطراف على تجاوز عقبات الماضي وإيجاد حلول واقعية تضمن الأمن للجميع. إن عدم التوصل إلى اتفاق، أو انهيار المفاوضات، قد يؤدي إلى تصعيد مقلق، مما يعيد شبح الصراع إلى الواجهة.
