الولايات المتحدة تقدم خدمات قنصلية للمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية لأول مرة

يثير قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتقديم خدمات قنصلية على الأرض للمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، وذلك لأول مرة، تساؤلات حول التغييرات المحتملة في السياسة الأمريكية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فقد أعلنت السفارة الأمريكية في القدس عن بدء تقديم هذه الخدمات الروتينية، مما يمثل تحولًا لافتًا في نهج التعامل مع المستوطنات المقامة على أراضٍ يعتبرها القانون الدولي غير شرعية.

تفاصيل الخدمات القنصلية الجديدة

أوضحت السفارة الأمريكية في بيان لها أن الضباط القنصليين سيقدمون خدمات جوازات السفر الروتينية في مستوطنة “أفرات” الواقعة جنوب مدينة بيت لحم يوم الجمعة 27 فبراير. ولم تقتصر الخطة على ذلك، بل أشارت السفارة إلى أنها تخطط لإطلاق خدمات مماثلة في عدد من المدن الإسرائيلية، بالإضافة إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية، ومستوطنة “بيتر إليت” القريبة من بيت لحم.

سابقة تاريخية في دعم الاستيطان

لم يسبق لوزارة الخارجية الأمريكية أن عرضت بشكل علني تقديم خدمات قنصلية مباشرة للمستوطنين العيشين في الضفة الغربية المحتلة. هذا الإعلان يأتي في سياق أوسع لتعزيز الوجود والدعم للمستوطنات، وسط اتهامات بأن السياسة الأمريكية قد تتجه نحو الاعتراف الفعلي بالسيادة الإسرائيلية على هذه المناطق، متجاهلة في ذلك قرارات الشرعية الدولية.

تصريحات السفير الأمريكي تثير جدلًا

يأتي هذا الإعلان في أعقاب مقابلة مثيرة للجدل أجراها مقدم البرامج، تاكر كارلسون، مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هكابي. أثار هكابي ردود فعل غاضبة من الشركاء العرب والمسلمين للولايات المتحدة عندما صرح بأنه “سيكون على ما يرام” إذا سيطرت إسرائيل على مساحات واسعة من الشرق الأوسط، بما في ذلك سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية والعراق ومصر.

تأكيد على ضم مناطق من الضفة الغربية

لم يكن تصريح هكابي عن توسع إسرائيل الإقليمي هو الجدل الوحيد، بل تضمن كلامه تأكيدًا بأن جزءًا كبيرًا من الضفة الغربية المحتلة هو جزء من إسرائيل. فقد قال للسفير كارلسون: “هؤلاء إسرائيليون يعيشون في إسرائيل. المنطقة (ج) هي إسرائيل”. وتتكون الضفة الغربية المحتلة من مناطق (أ)، (ب)، و(ج) بموجب اتفاقيات أوسلو في التسعينيات. المنطقة (ج) تشكل حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، بينما يُفترض أن تمارس السلطة الفلسطينية سيطرة محدودة في مناطق أخرى.

تسريع وتيرة إسرائيل لترسيخ السيطرة

تتزامن هذه التطورات مع تصاعد جهود الحكومة الإسرائيلية لترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية المحتلة. ففي شهر فبراير، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة لإنشاء وفرض قرارات بشأن الشؤون المدنية في المناطق (أ) و(ب) من الضفة الغربية، مما يقوض بشكل مباشر سيطرة السلطة الفلسطينية.

تناقض مع السياسة الأمريكية الرسمية

تعتبر تصريحات السفير هكابي تناقضًا صارخًا مع السياسة الأمريكية الرسمية، التي لا تعترف بأي سيادة إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. قد تكون كلمات هكابي بمثابة مؤشر لكيفية رؤية الولايات المتحدة للمستوطنات في الضفة الغربية. فكل من مستوطنتي “بيتر إليت” و”أفرات” تقعان ضمن المنطقة (ج).

تجاهل الوضع القانوني للمستوطنات

من الناحية الرسمية، أحجمت الولايات المتحدة عن الاعتراف بدولة فلسطينية حتى يتم التوصل إلى اتفاق نهائي حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وعلى مدى عقود، دعت إدارات جمهورية وديمقراطية إلى حل الدولتين للصراع، على الرغم من أن إدارة ترامب لم تثر هذه القضية.

في هذا السياق، يرى خالد الگندي، زميل باحث في برنامج الشرق الأوسط في معهد كوينسي للدراسات المسؤولة، أن الولايات المتحدة تقدم مجرد “خطاب” لدعم فكرة الدولة الفلسطينية. وأضاف الگندي لـ “ميدل إيست آي” في مقال سابق: “إنهم يعاملون بالفعل الضفة الغربية بأكملها كما لو كانت تحت السيادة الإسرائيلية”. وأكد أن هذا يمثل “انتقالًا من الضم بحكم الأمر الواقع إلى الضم بحكم القانون”.

دعوة لإنهاء الفصل العنصري

يعيش حوالي 400 ألف مستوطن إسرائيلي في المنطقة (ج)، حيث يتمتعون بالخدمات والتمثيل السياسي الذي يُحرم منه الفلسطينيون، مما يخلق ما يصفه النقاد بأنه دولة فصل عنصري. إن قرار السفارة الأمريكية بتوسيع الخدمات القنصلية ليشمل المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون بشكل غير قانوني في الضفة الغربية المحتلة، يعد مؤشرًا على أن الولايات المتحدة قد بدأت فعليًا في معاملة هذه الأراضي كجزء من إسرائيل.

التأثيرات المستقبلية على الوضع الفلسطيني

يثير هذا التطور مخاوف حقيقية حول مستقبل حل الدولتين، ومدى التزام الولايات المتحدة بتطبيق القانون الدولي. إن تقديم الخدمات القنصلية للمستوطنين يمثل خطوة قد تدعم التوسع الاستيطاني وتهمش حقوق الفلسطينيين، مما يزيد من تعقيدات الوضع ويدفع باتجاه حلول قد تكون بعيدة عن العدالة والسلام.

نأمل أن يشكل هذا التطور فرصة لإعادة تقييم السياسات وتوجيه الجهود نحو تحقيق سلام عادل ودائم، يضمن حقوق جميع الأطراف ويحترم القانون الدولي.

شاركها.