اجتماع الآسيان في الفلبين: تحديات صعودية وتوازنات متغيرة
تتجه أنظار العالم نحو الفلبين، وتحديداً جزيرة سيبو، حيث يجتمع قادة دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) هذا الأسبوع في قمة قد تشكل منعطفاً هاماً لمستقبل المنطقة. وبينما تتصدر القضايا الإقليمية التقليدية جدول الأعمال، تلوح في الأفق أزمات عالمية أعمق، أبرزها التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والتي تلقي بظلالها الثقيلة على اقتصادات دول المنطقة المعتمدة على استيراد الوقود. إن هذه القمة، التي تضم قادة ووزراء خارجية واقتصاد من 11 دولة، تضع على رأس أولوياتها أمن إمدادات الطاقة والغذاء لحوالي 700 مليون نسمة، وهو ما يزيد من تعقيد التحديات التي تواجه رئاسة الفلبين لهذا العام.
الأزمة الشرق أوسطية: اختبار لقدرة آسيان على التنسيق
يُتوقع أن يعقد وزراء خارجية واقتصاد دول آسيان اجتماعات متخصصة استباقية للقمة، سعياً لإيجاد حلول للأزمة الحالية، لا سيما فيما يتعلق بارتفاع أسعار النفط وندرة الإمدادات. تأتي هذه الاجتماعات وسط تزايد القلق من تأثير الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تقلبات حادة في أسواق الطاقة العالمية.
سيبو.. مسرح الاستراتيجيات للطاقة والأمن
تصر الفلبين، بصفتها الدولة المضيفة، على أن تداعيات الأزمة في الشرق الأوسط لن تُحوّل مسار محادثات آسيان عن مساره. أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفلبينية لشؤون آسيان، دومينيك كزافييه إمبريال، قائلاً: “لن يتم التضحية بأي شيء، فالتزامنا كرئيس للمنظمة يظل ثابتاً”. تأمل الفلبين في المصادقة على اتفاقية إطار عمل لتبادل النفط، وهو ما قد يخفف من حدة الصدمة في إمدادات الطاقة.
لم تعد أزمة إمدادات الطاقة قضية يمكن لدولة واحدة في آسيان الهروب منها، بل إنها دفعت دول المنطقة إلى ما هو أبعد من مجرد التصريحات. ويرى محللون أن هذا الوضع قد يدفع إلى إجراءات عملية وملزمة.
صعود الصين وتراجع الدور الأمريكي في المنطقة
أشارت تقارير إلى أن الصراع في الشرق الأوسط قد حدّ من التنافس الأمريكي الصيني في جنوب شرق آسيا. فبينما انشغلت واشنطن بالحروب المتعددة، وجدت بكين الفرصة لتعزيز مكانتها كشريك أكثر موثوقية.
قال كولين كوه، من كلية إس. راجارانام للدراسات الدولية في سنغافورة: “سيتم تقديم الولايات المتحدة كقوة مزعزعة للاستقرار، بينما ستُنظر إلى الصين على أنها قوة مستقرة”. وأضاف أن الصين، كمورد للمدخلات والمواد الخام المتعلقة بالطاقة، “تمتلك الآن بعض أهم الأوراق”.
بورما.. انقسام داخلي على جدول الأعمال
قضية بورما (ميانمار) الأزمة، والتي قسمت آسيان بالفعل، ستكون أيضاً على طاولة النقاش. تسعى الحكومة المدنية الجديدة في بورما، التي تدعمها أطراف عسكرية، إلى إعادة الاندماج في التكتل. ومع ذلك، لم تعترف آسيان بالانتخابات الأخيرة، ولم تحدد متى يمكن لقيادة ميانمار، التي يرأسها القائد السابق للمجلس العسكري مين أونغ هلاينغ، العودة إلى اجتماعات القمة بعد خمس سنوات من العزلة.
قد تحتاج الحكومة المدعومة من الجيش في بورما إلى إقناع دول آسيان بصدق نواياها في وقف القتال والسعي للحوار مع الجماعات المتمردة. يأتي ذلك بعد خطوات حديثة نحو المصالحة، بما في ذلك عفوين، وتخفيف عقوبة زعيمة الانقلاب المعزولة، أونغ سان سو تشي، ونقلها إلى الإقامة الجبرية.
بحر الصين الجنوبي: مفاوضات صعبة مع بكين
من المرجح أن يجدد قادة آسيان دعواتهم لإكمال مدونة سلوك طويلة الأمد بين آسيان وبكين بشأن بحر الصين الجنوبي. يمثل الموعد المستهدف في عام 2026 تحدياً كبيراً في ظل المصالح المتضاربة والمخاوف المستمرة بشأن العلاقات الاقتصادية الحيوية مع الصين.
يشكك بعض المحللين في إمكانية قيام بكين، التي تطالب بالسيادة على كامل بحر الصين الجنوبي، بما في ذلك أجزاء من المناطق الاقتصادية الخالصة للعديد من دول آسيان، بتقديم أي تنازلات ذات مغزى.
تُعد الصين شريكاً خارجياً رئيسياً لآسيان، ورغم غيابها عن الاجتماع، إلا أن تأثيرها يبقى محورياً. يقول المحلل دون ماكلين جيل: “لا أعتقد أن الصين ستسمح لنفسها بأن تكون مقيدة باتفاق من شأنه أن يحد من مصالحها غير القانونية والتوسعية في منطقة بحر الصين الجنوبي الكبرى”.
خاتمة: آسيان أمام مفترق طرق
تمثل قمة آسيان في الفلبين فرصة حاسمة لنساء ورجال السياسة في المنطقة لإثبات قدرتهم على تجاوز الانقسامات الإقليمية المتأصلة، والاستجابة بفعالية للتحديات العالمية المتزايدة. إن قدرة المنظمة على إيجاد توازن بين الحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة والغذاء، ومعالجة الأزمات المستمرة مثل سابقة بورما، والتصدي للتنافس الاستراتيجي المتصاعد، ستحدد مسارها المستقبلي. تبقى الآمال معلقة على أن تتمكن آسيان من الخروج من هذه القمة بقرارات ملموسة تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في واحدة من أهم مناطق العالم.
