تعيش زينّا ويندر ميويلن، زوجان في التاسعة والعشرين من العمر، في قرية منازل صغيرة في مدينة أيندهوفن الهولندية، محققين استقلالاً مالياً ملحوظاً. نجح الزوجان، بفضل بناء منزلهما الصغير الخاص الذي كلف حوالي 75 ألف يورو (87 ألف دولار) بدون قروض، في خفض تكاليف السكن الشهرية إلى حوالي 800 يورو، شاملة التأمين والمرافق وتكاليف استئجار قطعة الأرض. هذا الانخفاض الكبير في النفقات، إلى جانب عملهما لثلاثة أيام فقط في الأسبوع، يمكّنهما من ادخار أكثر من 3000 يورو شهرياً من دخلهما المشترك البالغ حوالي 5500 يورو، وهو ما يمثل ما يقرب من 60% من دخلهما. تأتي هذه القصة كجزء من سلسلة تستكشف تأثير العيش في قرى المنازل الصغيرة على حياة السكان.
كان الدافع الرئيسي وراء رغبة الزوجين في امتلاك منزل هو خفض النفقات، نظراً لارتفاع تكاليف الإيجار وشراء المنازل الكبيرة في هولندا. لم يرغبا في الشعور بالضغط المالي أو أن يكون عملهما مجرد وسيلة للعيش، وهو ما دفعتهما للبحث عن بدائل، بما في ذلك بناء منزل خاص بهما. دفعهما البحث عبر الإنترنت إلى اكتشاف مفهوم المنازل الصغيرة المصممة ذاتياً، وإيجاد قرى مخصصة لهذه المنازل مثل “مينيتوبيا” (Minitopia)، حيث يمكن استئجار قطعة أرض وبناء المنزل. بعد زيارة العديد من هذه القرى للإلهام، ازداد حماسهما للفكرة.
بناء المنزل الصغير: استثمار المدخرات والوقت
بدأ بناء المنزل الصغير في مايو 2022، وخلال فترة البناء، انتقل الزوجان للإقامة في سقيفة كبيرة في فناء منزل والدي جوز. كان المخطط المبدئي هو الإقامة لمدة ستة أشهر، لكنهما بقيا لمدة عام ونصف، حيث تم توجيه كل ما كانا يكسبانه خلال هذه الفترة نحو مشروع البناء. لم يشعر الزوجان بالضغط خلال هذه العملية، مع العلم أنهما كانا يستطيعان طلب المساعدة المالية من والديهما إذا لزم الأمر، إلا أنهما لم يحتاجا لذلك. استغرق إنجاز البناء حوالي ستة أشهر إضافية فوق المخطط الزمني الأصلي، وذلك لتمكين ادخار المبلغ الكامل المطلوب.
تحديات العيش في منزل صغير مع أسرة
انتقل الزوجان إلى منزلهما المكتمل جزئياً في مايو 2023، وكان ابنهما “فليب” يبلغ من العمر سبعة أشهر آنذاك. وفي أكتوبر 2024، رُزقا بابنهما الثاني “كيك”، لتصبح الأسرة مكونة من أربعة أفراد. كان الانتقال صعباً في البداية بسبب الحاجة إلى استيعاب أغراض الأطفال، مثل عربة الأطفال، والسرير، ومستلزمات الرعاية. ومع بلوغ “كيك” سناً مناسبة، قام الزوجان بالتبرع بالأشياء التي لم يعودا بحاجة إليها، مما ساعد على تخفيف الشعور بالضيق. اعترف الزوجان بأنهما قللا من تقدير كمية الأغراض التي يمتلكانها، وأن الحفاظ على النظام في منزل صغير يمثل تحدياً مستمراً، خاصة مع وجود طفلين صغيرين.
يشكل نقص المساحة أيضاً صعوبة في استضافة التجمعات العائلية، وهو ما يعتبره الزوجان أحد سلبيات العيش في منزل صغير. ومع ذلك، لا ترى زينّا أن الأمر يستحق توسيع المنزل بشكل كبير من أجل عدد قليل من المناسبات الاحتفالية سنوياً.
العمل لثلاثة أيام في الأسبوع: حرية مالية ناتجة عن انخفاض النفقات
من أبرز الجوانب الإيجابية للعيش في منزل صغير بحسب الزوجين هو قدرتهما على العمل ثلاثة أيام فقط في الأسبوع. قبل إنجاب الأطفال، كانت زينّا تعمل أربعة أيام في الأسبوع، لكنها وجدت أن هذا القدر من العمل مرهق جداً مع مسؤوليات الأمومة. نظراً لأن تربية الأطفال تتطلب الكثير من الطاقة، فإن عدم الحاجة إلى العمل بدوام كامل يخفف العبء بشكل كبير. يشير الزوجان إلى أنه إذا رغبا في ذلك، يمكن لأي منهما التوقف عن العمل تماماً، وأنهما يعملان لأنهما يرغبان في ذلك، وليس لأنهما مضطران. يمنحهما العمل لثلاثة أيام في الأسبوع وقتاً أطول لقضائه مع أطفالهما، وهو أمر يعتبر مهماً بالنسبة لزينّا.
يمنح انخفاض النفقات الزوجين شعوراً بالأمان المالي، حيث أكدا أنهما لن يتعرضا لخطر فقدان منزلهما في حال فقد أحدهما وظيفته، نظراً لعدم وجود أقساط مرهونة عقارياً وإنفاقهما نحو ثلث دخلهما فقط. وعلى الرغم من أنهما ما زالا يضعان ميزانية، إلا أنها لا تأتي من خوف من نفاد المال، بل من رغبة في الحفاظ على التكاليف منخفضة، مما يسمح لهما بقبول أي فرصة دون قلق بشأن التكلفة.
يعبر جوز عن عدم رغبته في انتظار سن التقاعد، الذي يبعد 40 عاماً، وأنه لا يرى نفسه يعمل حتى سن السبعين. ويستكشف حالياً استخدام مدخراتهما لبناء منزل آخر وبيعه، كوسيلة لتحقيق دخل إضافي، وهو ما يجده ممتعاً ومليئاً بالطاقة. تتحدث زينّا أحياناً عن إمكانية الانتقال إلى منزل أكبر، لكنها لا ترغب في ذلك على حساب زيادة ساعات العمل، على الأقل حتى يدخل الأطفال المدرسة.
مستقبل العيش في المنازل الصغيرة: خيار متزايد
يشير استقرار الزوجين المالي وقدرتهما على العمل لساعات أقل بفضل قرار العيش في منزل صغير إلى جدوى هذا النمط من الحياة كحل لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ومع استمرار ارتفاع أسعار العقارات في العديد من المناطق، قد يزداد الاهتمام بالخيارات السكنية البديلة مثل المنازل الصغيرة والقرى المخصصة لها. يكمن التحدي المستقبلي في كيفية تلبية الاحتياجات المتزايدة للعائلات الشابة مع الحفاظ على مبادئ البساطة وتقليل النفقات التي تدعم هذا النمط من الحياة. ومن المحتمل أن تستمر هذه المجتمعات في التطور، مع إيجاد حلول مبتكرة للتغلب على القيود المتعلقة بالمساحة والتوسع.
