تثير الحرب في إيران مخاطر الركود التضخمي على الاقتصاد العالمي، حيث يرى كبير خبراء الاقتصاد في KPMG، ديان سوونك، أن “ركودًا عميقًا” قد يكون المخرج الوحيد. ويشير هذا التحذير الاقتصادي إلى سيناريو مقلق يتسم بارتفاع التضخم المستمر وضعف النمو، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا للبنوك المركزية.

تُعرف حالة الركود التضخمي (Stagflation) بوجود فترة طويلة من التضخم المرتفع مقرونًا بنمو اقتصادي ضعيف جدًا أو سلبي. هذا الوضع يجعل مهمة البنوك المركزية، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، صعبة للغاية، حيث لا يمكنها بسهولة استخدام أدوات السياسة النقدية، مثل رفع أو خفض أسعار الفائدة، دون تفاقم أحد المشكلتين. ويعكس هذا الوضع المتأزم قلقًا متزايدًا من تداعيات الأزمة الجيوسياسية على الاستقرار الاقتصادي العالمي.

مخاطر الصدمات على سلاسل الإمداد والركود التضخمي

أوضحت سوونك أن الحرب في إيران أدت إلى حدوث صدمات متعددة في سلاسل الإمداد العالمية، مما نتج عنه نقص في المنتجات وارتفاع في الأسعار. وعلى جانب آخر، تعاني سوق العمل من ضعف متزايد، مما يهدد بارتفاع معدلات البطالة. وذكرت سوونك أن “الطريق الواضح الوحيد للخروج هو ركود عميق”، مشيرة إلى أن هذا الاحتمال أكبر بالنسبة للاقتصادات خارج الولايات المتحدة، ولكنه يظل خطرًا قائمًا للأمريكيين أيضًا.

لقد تسببت الأزمة، بما في ذلك أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز، في ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد. وتوضح سوونك أن هذا الارتفاع في أسعار النفط ليس مجرد صدمة نفطية عادية، بل هو أكثر تأثيرًا من الصدمات النفطية التاريخية. فمضيق هرمز ليس فقط نقطة اختناق حيوية للتجارة العالمية للنفط، بل يشهد أيضًا تدفقات لمواد اقتصادية أخرى بالغة الأهمية مثل الهيليوم والأسمدة، وغيرها.

ونتيجة لذلك، ترتفع التكاليف التشغيلية للشركات، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار وعدم رغبة الشركات في التوظيف، مما يؤثر سلباً على معدلات التوظيف. وأشارت سوونك إلى أن “التكاليف كبيرة لدرجة أنها تسبب زيادات في الأسعار مدفوعة بالتكلفة، حتى مع إحجام الشركات عن التوظيف”. وتضيف: “ترتفع حالات التسريح غير الطوعي مع ثبات الأجور، حيث تلجأ الشركات إلى خفض القوى العاملة لأن الأجور لا تنخفض بسهولة، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار”.

يشكل هذا المزيج من القوى الاقتصادية خطرًا حقيقيًا لحدوث الركود التضخمي، وهو وضع اقتصادي صعب للغاية.

ورطة الاحتياطي الفيدرالي

في الوضع الاقتصادي الطبيعي، تتدخل البنوك المركزية عادةً عندما يرتفع التضخم أو يتباطأ النمو. يمكن لتغيير السياسات النقدية أن يساعد في موازنة المخاطر الاقتصادية. تقليديًا، يقوم الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو وزيادة التوظيف، أو رفعها لخفض التضخم.

ومع ذلك، فإن النهج التقليدي لا يعمل في ظل الظروف الحالية، لأن المشكلة تكمن في جانب العرض للاقتصاد وليس في جانب الطلب. إن خفض أسعار الفائدة قد يؤدي إلى تفاقم التضخم، بينما قد يؤدي رفعها إلى تضرر النمو. وتشير سوونك إلى أن هذا الوضع “سيضع الاحتياطي الفيدرالي في مأزق أكبر مما كان عليه في عام 2025، مع وجود تفويض مزدوج يتمثل في استقرار الأسعار والتوظيف الكامل في حالة توتر”.

احتمالية رفع أسعار الفائدة تزداد

زادت توقعات المستثمرين بشأن احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة هذا العام، وتحولت دفة التوقعات بعيدًا عن احتمالات خفض أسعار الفائدة. تتفق سوونك مع هذا الرأي، حيث أوضحت: “أصبح رفع أسعار الفائدة احتمالًا أكثر ترجيحًا في النصف الثاني من العام، وهذا ما أتوقع أن يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى القيام به، إلى جانب البنوك المركزية الأخرى”.

في المقابل، قللت مؤسسة جولدمان ساكس من هذه الاحتمالية، مشيرة إلى أن خفض أسعار الفائدة في عام 2026 لا يزال غير مرجح على الرغم من توقعات المستثمرين. يشير هذا التباين في الآراء إلى حالة عدم اليقين التي تسود الأسواق المالية والاقتصاد العالمي.

يبقى السؤال المطروح الآن هو كيف ستتعامل البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي، مع هذا الوضع المعقد، وما هي أدواتها المتاحة لتجاوز مخاطر الركود التضخمي دون إحداث ضرر أكبر للاقتصاد العالمي. ستكون قرارات السياسة النقدية القادمة تحت المجهر، حيث يتوقف عليها مسار التعافي الاقتصادي العالمي.

شاركها.