يعمل كبير الاقتصاديين في موديز، مارك زاندي، على تسليط الضوء على فجوة متزايدة بين واقع الاقتصاد الأمريكي وأداء سوق الأسهم المزدهج. فقد اختتم مؤشر ستاندرد آند بورز 500، الذي يضم أكبر 500 شركة مدرجة في الولايات المتحدة، شهر نوفمبر الماضي عند مستويات قياسية بلغت 7,200 نقطة، مسجلاً أفضل أداء شهري له منذ عام 2020. يدعو زاندي إلى فهم أن سوق الأسهم ليس هو الاقتصاد، مشيراً إلى أن الأرقام الحالية لا تعكس الصورة الكاملة للصحة الاقتصادية للبلاد.
يأتي هذا التباين في الوقت الذي يبدي فيه زاندي تشاؤماً ملحوظاً بشأن التوقعات الاقتصادية للولايات المتحدة طوال العام. ويشير إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الأسهم، وخاصة في قطاع التكنولوجيا، مدفوع بحماس حول الذكاء الاصطناعي، يلعب دوراً محورياً في هذا الانفصال. ويرى أن هذا الحماس لتوظيفات الذكاء الاصطناعي يعمل بديناميكية خاصة به، بمعزل عن التحديات الاقتصادية الأخرى التي تواجه باقي القطاعات.
سوق الأسهم والذكاء الاصطناعي: محركان منفصلان
في أحدث نشراته الإخبارية، أوضح مارك زاندي أن نحو نصف القيمة السوقية لسوق الأسهم مدفوعة بشركات التكنولوجيا التي تستفيد من الإثارة المتنامية حول الذكاء الاصطناعي. ويشدد على أن هذا الاهتمام بـ “الذكاء الاصطناعي” يسير وفق مساره الخاص، مستقلًا عن الأحداث العالمية مثل الحروب أو أي تطورات أخرى قد تحدث في الاقتصاد الأوسع.
وأشار زاندي إلى أن الحماس لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الإمكانيات التكنولوجية الفعلية، بل يبدو مدفوعًا også بالمضاربات. وقدم مثالاً على ذلك بشركة “أول بيردز” لتصنيع الأحذية الرياضية، التي شهدت ارتفاعًا في أسعار أسهمها بعد تحولها نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى ما يشبه “تداول الميم” الذي يزدهر بسرعة. هذا النوع من الارتفاعات يعتمد على الزخم الجماعي وليس بالضرورة على القيمة الجوهرية للشركة.
ولكن، يضيف زاندي، أن الزخم القوي الذي يشهده سوق الأسهم لا يعزى فقط إلى قوة تداولات الذكاء الاصطناعي. فهو يرى أن جزءًا كبيرًا من هذا الزخم يعكس اعتقاد المستثمرين بأن الرئيس دونالد ترامب سيتدخل لتعزيز الأسواق إذا ما مرت بفترة اضطراب، وهو ما يُعرف بفكرة “بوت ترامب” (Trump put). يعتمد هذا الاعتقاد على أن الرئيس الذي يعتبر أداء سوق الأسهم مقياساً لنجاحه، سيفعل كل ما يلزم، حتى إنهاء العمليات العسكرية، لضمان عدم استمرار هبوط أسعار الأسهم لفترة طويلة.
توقعات الركود الاقتصادي: احتمالات مرتفعة
جدد مارك زاندي توقعاته بأن الولايات المتحدة تقترب من الدخول في فترة ركود اقتصادي. ويرى أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وتحديداً أي تصعيد محتمل قد يؤثر على أسعار النفط، يمكن أن يكون الشرارة التي تشعل فتيل هذا الركود. فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، مما يزيد من الضغوط التضخمية ويقلل من القدرة الشرائية للمستهلكين.
وفقًا لنموذج شركته، فإن احتمالات بدء الركود خلال الاثني عشر شهرًا القادمة لا تزال مرتفعة عند 40%، وهو ما وصفه سابقًا بأنه مستوى مقلق. ويعزو زاندي هذه الاحتمالات العالية إلى المشاكل المستمرة في أسواق العمل والإسكان، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال عرضة للتأثر بأي عوامل سلبية أخرى قد تظهر. هذه العوامل تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، استمرار التوترات الجيوسياسية، والتباطؤ الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى الأخرى، أو أي صدمات مفاجئة في سلاسل الإمداد.
في الختام، يشير أداء سوق الأسهم القياسي إلى أن سوق الأسهم ليس هو الاقتصاد الحقيقي، بل يعكس في جانب منه توقعات المستثمرين وتأثير المحفزات، بما في ذلك الآمال المعلقة على التدخلات السياسية لتعزيز الأسواق. إن التقرير يشير إلى محدودية المعلومات التي يوفرها سوق الأسهم حول أداء الاقتصاد الأمريكي وآفاقه المستقبلية، باستثناء أنه قد يدفع الرئيس إلى تخفيف حدة سياسته العسكرية إذا ما بدا أنها تضر بالاقتصاد. يبقى مراقبة تطورات سوق العمل، وبيانات التضخم، ومسار الحرب في الشرق الأوسط، عوامل رئيسية لتحديد ما إذا كانت التوقعات الركودية ستتحقق.
