شغف بالماضي: صور تكشف روح غرف الأخبار المحلية المعرضة للانقراض

في عالم تتسارع فيه وتيرة التطور الرقمي، غالبًا ما ننسى القصص الإنسانية الكامنة خلف الأخبار التي تصلنا. المصورة آن هيرميس، من خلال مشروعها المذهل، لا تلتقط صورًا فحسب، بل توثق حقبة تتلاشى؛ حقبة غرف الأخبار المحلية، بمقاعدها المتهالكة، فوضاها الخلاقة، والأهم من ذلك، شغف العاملين فيها. إنها نظرة عميقة على قلب الصحافة المحلية، المكان الذي يتجلى فيه الواجب المدني بأبهى صوره، حتى وإن بدا المكان نفسه على وشك الاندثار.

رحلة إلى زمن مضى: عين هيرميس على غرف الأخبار

تخيل صحفيًا منهمكًا في كتابة ملاحظاته، يجلس على كرسي مكتب متهالك في يوم شتوي بارد. مكتبه غارق في أكوام من الدفاتر، صحف قديمة، تقارير مطبوعة، وحبل يتدلى من صورة ضائعة. هذا المشهد، الذي وصفته وكالة فرانس برس، يلخص جوهر العمل الذي تقوم به المصورة آن هيرميس. إنها مهتمة بالأماكن والأشياء التي تستحضر زمنًا ماضٍ أو على وشك أن تصبح جزءًا من التاريخ.

لقد قامت هيرميس بتوثيق آخر محطة لكود مورس عاملة في أمريكا الشمالية، وأكشاك التصوير في المتاجر الكبرى. وفي الآونة الأخيرة، كرست وقتها لغرف الأخبار، مثل غرفة تحرير صحيفة “روت لاند هيرالد” في فيرمونت. جلبت كاميرتها إلى حوالي 50 غرفة أخبار في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، غالبًا في البلدات والمدن الصغيرة، لتوثيق هذه الأماكن والأشخاص الذين أصبحت حياتهم مهددة بفعل الانهيار الصناعي الذي شهدته الصناعة على مدى العقود الماضية.

المشروع الذي تجاوز التوقعات

لم تتوقع هيرميس، حتى وهي شخص قضى سنوات في غرف الأخبار كمصورة محترفة لصحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”، أن يتحول هذا المشروع إلى شغف شخصي بهذا العمق. تقول: “أنا أحب هذه المساحات. أحب قضاء الوقت مع هؤلاء الأشخاص. كلما أمضيت وقتًا أطول في غرف الأخبار واستمعت إلى الصعوبات التي يواجهونها، اكتسبت القضية أهمية أكبر. لم أكن لأقضي كل هذا الوقت في هذا المشروع لولا أنني أستمتع به.”

تبدد صورها الفكرة النمطية عن الصحافة كمهنة مرموقة يسكنها النخبة، وخاصة على المستوى المحلي. ما تراه هو أشخاص يعملون في بيئات متهالكة، أماكن يمكن أن تجعل أي مصمم مكاتب يرتعش خوفًا. ملاحظات لاصقة تتشبث بشاشات الكمبيوتر، أقلام ودفاتر مبعثرة، صناديق ورق مكدسة بجوار زجاجة ويسكي شبه فارغة. بقع على السجاد لم تُعالج، وزجاجة مضادات الحموضة فوق الميكروويف.

شهادات صامتة على سعي الحقيقة

يصف زاك هيلفاند، من صحيفة “نيويوركر”، هذه البيئات قائلاً: “يميل الأشخاص الذين ينشرون الأخبار إلى عدم الاهتمام بما يحيط بهم. هناك الكثير ليقوموا به ودائمًا ما يكون الموعد النهائي يحدق بهم. ما تراه معلقًا في هذه الغرف ليس نتيجة للتصميم، بل هو مرتجل، وهو أكثر كشفًا.”

لكن خطر أن تصبح غرف الأخبار جزءًا من الماضي لا يقتصر عليها وحدها. متى آخر مرة رأيت فيها صحفًا ورقية مطبوعة، خاصة مع إغلاق وسائل الإعلام لمطابعها وتحولها إلى الرقمية؟ ومع ذلك، فهي حاضرة في كل مكان في صور هيرميس، محشوة في مربعات، صفراء مع تقدم العمر، مبعثرة في مؤخرات الشاحنات، أو مكدسة في أكوام.

“المشارح”: أرشيف الذكريات المهددة بالزوال

ولا ننسى “المشارح” في الصحف، وهو مصطلح أصبح أكثر ملاءمة يومًا بعد يوم. هذه الأماكن، التي يُعبأ فيها القصاصات الصحفية في ملفات ورقية، كانت وجهة البحث الأساسية قبل أن يصبح العثور على المعلومات مجرد نقرات قليلة على الكمبيوتر. ومع ذلك، فإن تاريخ المجتمع يكمن في هذه الأرشيفات. وعندما تختفي، تختفي معها ذكريات كثيرة.

الإيمان بالواجب المدني: رسالة حب للصحافة المحلية

تقول هيرميس: “إنها حقًا رسالة حب إلى الصحافة المحلية. إنها ليست قطعة ‘إثارة’.” إنها تنجذب إلى “المؤمنين الحقيقيين” الذين يلتزمون بمجال العمل، ويتحملون غضب وسخرية القادة المدنيين الذين لا يحبون المساءلة، وواقع العمل الذي دفع العديد من أصدقائها إلى مجالات عمل مختلفة.

“المكافآت تتضاءل في القيام بهذه المهمة. عليك أن تؤمن حقًا بالخدمة المدنية الأساسية التي تقدمها. وإلا، فلماذا تفعل ذلك؟ إنها مهمة صعبة حقًا.”

عملها متاح على موقعها الإلكتروني، وتتطلع إلى جمع صورها في كتاب يومًا ما. تشعر بأنها تجاوزت مجرد التقاط الصور لتصبح ناشطة؛ فهي تريد إقامة معارض في بعض المجتمعات التي زارتها لتذكير الناس بأهمية الصحافة المحلية. هدف هيرميس هو تصوير 100 غرفة أخبار: “أشعر بأنني أتعلم شيئًا جديدًا في كل غرفة أخبار أزورها.”

في عالم يسعى للحداثة، تذكرنا صور هيرميس بأن الماضي يحمل قيمة لا تقدر بثمن، وأن القصص الإنسانية، حتى في أكثر البيئات تواضعًا، تستحق أن تُروى وتُخلد. إنها دعوة لإعادة النظر في قيمة الصحافة المحلية، ودعم العاملين فيها، والحفاظ على هذه الذاكرة الجماعية قبل أن تتلاشى تمامًا.

شاركها.
Exit mobile version