سوريا: ملاذ الهدوء وسط حرب إقليمية متصاعدة

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية والاشتباكات العسكرية، برزت سوريا كوجهة غير متوقعة للهدوء والاستقرار، بعد سنوات من الصراع الداخلي. بعد عقد من اللجوء في البحرين، وجدت العديد من العائلات السورية نفسها مضطرة للعودة إلى وطنها، الذي أصبح الآن يقدم نفسه كمركز استراتيجي جديد في المنطقة، مستفيدًا من التغيرات الجيوسياسية.

عودة إلى الوطن: من اللجوء إلى الأمان المؤقت

عاشت عهد بدوي قرابة عقد من الزمن في البحرين، دولة خليجية آمنة بعيدة عن لهيب الحرب الذي مزق وطنها سوريا. وفرت لها ولعائلتها ملجأً خلال 14 عامًا من الحرب الأهلية. “لم يحدث شيء على الإطلاق هناك. لم يعرف البحرينيون حتى معنى الحرب”، تقول عهد. لكن الحرب الإقليمية التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، غيّرت المعادلات. فجأة، وجدت دول الخليج المجاورة، وبينها البحرين، نفسها في مرمى النيران الإيرانية. أمام هذا التهديد، قررت العائلة العودة إلى حلب، المدينة التي شهدت سابقًا أعنف المعارك، لتجد فيها ملاذًا آمنًا نسبيًا.

سوريا: ساحة دولية جديدة

أصبحت سوريا، التي أنهكها الصراع، واحدة من النقاط القليلة الهادئة في خضم العاصفة الإقليمية. يعمل قادتها الحاليون على إعادة بناء العلاقات مع الدول العربية والغربية التي نبذت النظام السابق. منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وإغلاق مضيق هرمز، اغتنمت دمشق الفرصة لتعزيز هذه العلاقات عبر التزام سياسة الحياد.

دور استراتيجي متجدد

“قدمت سوريا نفسها كحل للأزمات الاستراتيجية في المنطقة”، حسبما أفادت عبيدة غضبان، مسؤولة في وزارة الخارجية السورية. مع تساقط الصواريخ الإيرانية ليس فقط على إسرائيل بل أيضًا على دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، وتجدد التوترات بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، ووقوع العراق بين نار ميليشياته المدعومة من إيران والقواعد الأمريكية، وجدت سوريا نفسها في موقع فريد.

على الرغم من التحليق المستمر للصواريخ في سماء المنطقة، تمكنت سوريا من البقاء على الهامش. بل إنها وضعت نفسها كطريق بديل لنقل صادرات النفط التي لم تعد قادرة على المرور عبر مضيق هرمز. “سوريا، التي كانت ذات يوم ساحة لصراعات الآخرين، اختارت اليوم بإرادة شعبها ومؤسساتها أن تكون جسرًا للأمن وركيزة أساسية للحل”، هكذا صرح الرئيس السوري أحمد الشرع في اجتماع للزعماء الأوروبيين بقبرص. وصف بلاده بأنها “الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية”.

ممر طاقة جديد

منذ أن منعت إيران الوصول إلى المضيق، يتم نقل شحنات النفط بالشاحنات من العراق إلى سوريا، ثم تُشحن إلى الأسواق الأوروبية عبر ميناء بانياس السوري، متجاوزة طريق هرمز. ومع إعادة فتح الطريق بين شمال العراق وسوريا الشهر الماضي بعد أكثر من عقد من الإغلاق، وصف المسؤولون هذا المسار بأنه “طريق إضافي لصادرات الطاقة”. رغم أن هذا الطريق البري أقل كفاءة وأكثر تكلفة من الشحن عبر المضيق، إلا أنه يوفر حلاً أساسيًا طالما حافظت إيران على سيطرتها على القناة.

الحياد الاستراتيجي: بين إيران وإسرائيل

أكد الغضبان أن بلاده ليست مهتمة بالتحالف مع أي طرف من أطراف الحرب، مشيرًا إلى أن “الأطراف المشاركة فيها أعداء استراتيجيون لسوريا، سواء تحدثنا عن إيران وأذرعها، أو إذا تحدثنا عن إسرائيل وسياساتها التوسعية العدوانية في سوريا. لدى كلا الطرفين مصلحة في إضعاف سوريا”.

كانت إيران حليفًا رئيسيًا للأسد وقدمت له الدعم خلال الحرب الأهلية، كما فعل حزب الله والميليشيات العراقية. هذا التحالف وضعهم في صراع مع government الجديدة في دمشق. من ناحية أخرى، كانت إسرائيل متشككة تجاه السلطات السورية الجديدة، والتي يقودها الآن إسلاميون، وكانت في بعض الأحيان معادية لهم بشكل علني.

على الرغم من تكهنات البعض بأن سوريا قد تنضم إلى المعركة لتصفية الحسابات ضد حزب الله، إلا أن الجيش السوري لم يتخذ مثل هذه الخطوة، وأصر الشرع ومسؤولون آخرون على عدم وجود مصلحة لهم في التدخل في لبنان.

تراجع الوجود الأمريكي وتعزيز الحياد

ساهم انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من شرق سوريا، الذي كان يحتوي على قواعد أمريكية، في تعزيز قدرة سوريا على البقاء خارج المعركة. وبحلول وقت اندلاع الحرب مع إيران، قلص الجيش الأمريكي وجوده بشكل كبير، حيث كانت مهمته الرئيسية منع عودة تنظيم داعش. “نظراً لأن الانسحاب كان قد قطع شوطاً كبيراً بحلول الوقت الذي بدأت فيه الحرب (مع إيران)، لم يكن هناك سوى عدد قليل جداً من الأصول والأفراد الأمريكيين الذين لا يزالون في البلاد. هؤلاء لم يكونوا كافيين لإثارة رد فعل إيراني قوي”، حسبما صرح نوح بونسي، كبير مستشاري الشؤون السورية في مجموعة الأزمات الدولية.

التحديات الاقتصادية المستقبلية

على الرغم من المكاسب السياسية المحتملة من موقفها المحايد، إلا أن سوريا ستظل تعاني اقتصاديًا. كانت دمشق تعول على استثمارات دول الخليج الغنية في إعادة إعمارها بعد الحرب. لكن بونسي يرى أن هذه الدول سيكون لديها الآن موارد أقل و”نطاق ترددي أقل لتوفيره للقضايا ذات الأولوية الأدنى”، حيث ستركز على “دعم دفاعها وإعادة اقتصاداتها إلى السرعة” بعد الحرب.

في حين قد تستفيد سوريا على المدى الطويل من مشاريع البنية التحتية المقترحة، إلا أن هذه المشاريع ستستغرق سنوات، إن حدثت على الإطلاق. وفي غضون ذلك، تواجه الحكومة السورية الجديدة استياءً متزايداً بسبب الاقتصاد المتدهور.

على الرغم من كل هذه التحديات، تشعر عهد بدوي بالارتياح لعودتها إلى وطنها. “لا شيء أفضل من أن تكون في بلدك. عندما تكون في بلدك، تشعر بنوع مختلف من الأمان”، تقول.


ساهم في هذا التقرير صحفي وكالة أسوشيتد برس غيث السيد في دمشق، سوريا.

شاركها.