العمال المغتربون في الخليج: بين الخطر والاقتصاد الهش

في هانوي، فيتنام، يواجه محمد عبد الله المأمون، رب أسرة فقدته الحرب، ما يواجهه الملايين من العمال الأجانب في الشرق الأوسط، معضلة مستعصية. بعد 15 عامًا من العمل الشاق في المملكة العربية السعودية، جمع المأمون مدخراته ليحتضن ابنه البالغ من العمر 6 سنوات ويعود إلى بنجلاديش ليبني منزلاً أكبر. لكن حلمه تحطم في 8 مارس عندما ضرب صاروخ معسكر عماله، مخلفًا وراءه مأساة وعشرات الضحايا الأجانب. هذه القصة، وما شابهها، تسلط الضوء على الوضع المحفوف بالمخاطر الذي يعيشه العمال المغتربون في الخليج، والذين يشكلون العمود الفقري لاقتصادات المنطقة، لكنهم غالبًا ما يواجهون ظروفًا قاسية وعدم استقرار متزايد.

العمال المغتربون: دعائم اقتصاد الخليج المعرضة للخطر

لقد ساهم عشرات الملايين من العمال الأجانب، مثل المأمون، في بناء الاقتصادات الحديثة لدول الخليج العربية التي تعتمد على النفط. ومع ذلك، فإن الكثيرين منهم لا يشاركون بشكل كامل في هذا الازدهار، بل على العكس، يواجهون الآن معضلة مفادها: هل يستمرون في العمل في الشرق الأوسط، حيث الأجور أعلى بكثير، على أمل استمرار وقف إطلاق النار الهش؟ أم يعودون إلى بلدانهم الفقيرة أصلاً، والتي ترتفع فيها الأسعار بسبب الصراع؟

واقع لا مفر منه: العمالة الوافدة في ظل الصراع

يشكل العمال المهاجرون أغلبية السكان في العديد من دول الخليج العربية. بينما يهيمن الغربيون والعرب والهنود على قطاع الأعمال والتمويل، يكابد العمال من البلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا لساعات طويلة في درجات حرارة قاسية ضمن منشآت النفط ومواقع البناء، وغالبًا ما تكون حمايتهم ضئيلة.

وحسب تحالف العدالة العمالية للمهاجرين في الخليج، فإن القليل من هؤلاء العمال تمكنوا من الوصول إلى الملاجئ، والكثير منهم باتوا عالقين بسبب الصراع. وتشير التقارير إلى أن الهجمات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 24 عاملًا أجنبيًا في الخليج وأربعة في إسرائيل، نتيجة لشن إيران والجماعات المتحالفة معها موجات من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار.

الهجمات تتزايد: الإمارات في مرمى الخطر

في يوم الاثنين، أصيب ثلاثة عمال هنود بجروح متوسطة في الإمارات العربية المتحدة عندما أشعلت طائرة إيرانية بدون طيار حريقًا في منشأة نفطية. كانت هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الإمارات للهجوم منذ سريان وقف إطلاق النار الهش في أوائل أبريل.

يصف أودايا واغل، الذي يدرس العمل والهجرة في جامعة شمال أريزونا، الوضع بأنه “محفوف بالمخاطر للغاية بالنسبة للعمال المهاجرين”. وعلى الرغم من صمود وقف إطلاق النار في الغالب، إلا أن المفاوضات لإنهاء الحرب قد توقفت مرارًا وتكرارًا.

العواقب الاقتصادية: انهيار الأسعار وتأثيره على الوطن الأم

لم يقتصر تأثير الصراع على الأفراد وسلامتهم، بل امتد ليؤثر بشكل مباشر على اقتصادات بلدانهم الأصلية. فالنتيجة المباشرة لهذا التوتر المتصاعد هي ارتفاع أسعار الغاز والأسمدة وغيرها من السلع، مما يضرب الدول الآسيوية بشدة.

تشكل التحويلات المالية من الخليج حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي للهند، و3% إلى 5% في بنغلاديش وباكستان وسريلانكا؛ وما يقرب من 10% في نيبال. وهي الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل ضغوط دخل الأسر وبحث الحكومات المستميت عن العملات الأجنبية لشراء الوقود.

المخاطر تتصاعد: العمال ذوو الأجور المنخفضة هم الأكثر عرضة

تستيقظ عائلة المأمون في 9 مارس على أخبار مفادها إصابة شابهم البالغ من العمر 35 عامًا. وقد أظهرت لقطات فيديو مؤثرة، التقطها أحد العمال، المأمون ملقى على الأرض، مصابًا بحروق بالغة وينزف، ويطلب المساعدة. يقول شقيقه الأصغر: “لم يتخيل قط أنه سيصاب. وأن صاروخاً سيسقط عليه”.

ويشير شريف الإسلام حسن، من منظمة التنمية البنجلاديشية (BRAC)، إلى أن العمال مثل المأمون هم الأكثر عرضة للخطر لأنهم يقومون بالأعمال “الأكثر قذارة وخطورة وصعوبة”.

في قطر، كان عامل مصنع بنغلاديشي يبلغ من العمر 27 عامًا يعمل في نوبات عمل مدتها 12 ساعة بينما كانت الصواريخ تتطاير في سماء المنطقة. ورغم انخفاض دخله إلى أقل من 400 دولار شهريًا، كان يرسل ثلثي المبلغ إلى عائلته. قال، شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام: “ليس أمامنا خيار سوى مواصلة العمل”.

هل التغيير ممكن؟ مقاربات لحماية العمال

على الرغم من أن قطر أصدرت العديد من الإصلاحات في الفترة التي سبقت استضافتها كأس العالم 2022، بما في ذلك التفكيك الجزئي للنظام الذي يربط العمال بأصحاب العمل، إلا أن النشطاء يؤكدون أن الانتهاكات لا تزال منتشرة على نطاق واسع، وأن العمال لديهم وسائل محدودة لتحقيق العدالة.

Meanwhile، أحمد العليلي، سائق سيارة أجرة في قطر، لم يرسل أموالاً لعائلته في مصر منذ شهرين. انخفض دخله إلى الثلث بسبب اضطراب السفر الناتج عن الحرب. ويصف نفسه بأنه “الضرر الجانبي لهذه الحرب”.

العودة إلى الوطن ليست خيارًا دائمًا

بالنسبة لكثيرين، العودة إلى الوطن لا تعني بالضرورة الأمان والرفاهية. فالعودة إلى الوطن تعني التخلي عن دخل ثابت وأجور أعلى بكثير. تقول مارلين فلوريس، عاملة فلبينية في قطر: “ليس من السهل بالنسبة لي أن أقول ذلك. لكنني سأبقى هنا حقًا.” على الرغم من شعورها بالخوف مع كل اعتراض صاروخ، فإن الأجور المعفاة من الضرائب والتأمين الصحي تجعلها تشعر بأمان نسبي مقارنة بالفلبين.

خاتمة

قصة محمد عبد الله المأمون، ومحنته، ليست سوى قصة واحدة ضمن آلاف القصص المؤلمة للعمال المغتربين في الخليج. يقف هؤلاء العمال في مواجهة صراع لا ذنب لهم فيه، يكافحون للحفاظ على أسرهم وتأمين مستقبلهم. إن الأزمة الراهنة ليست مجرد أزمة جيوسياسية، بل هي أزمة إنسانية تتطلب اهتمامًا ورعاية دولية. إن مستقبل العمالة الوافدة في الخليج وسبل تحسين ظروفهم وضمان حقوقهم، سيكون محط تركيز متزايد في ظل هذا الواقع المعقد.

شاركها.
Exit mobile version