في خطبة تاريخية، انتقد البابا ليو الرابع عشر بشدة التدخلات العسكرية المتزايدة للدول في شؤون الدول الأخرى، مؤكداً أن هذا السلوك يقوض أسس السلام والأمن الدوليين التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. جاءت أقواله في لقاء سنوي مع السفراء المعتمدين لدى الكرسي الرسولي، حيث حذر من “عودة الحرب إلى الواجهة” و”انتشار الحماسة للحرب”. وشكلت هذه الخطبة بمثابة جولة جيوسياسية واسعة النطاق تناولت قضايا ساخنة حول العالم، أبرزها الوضع في أوكرانيا وفنزويلا وغزة، بالإضافة إلى قضايا تتعلق بالحرية الدينية والحقوق الإنسانية.
تصاعد التوترات العالمية: انتقادات بابوية للتدخلات العسكرية
شدد البابا ليو الرابع عشر على أن استخدام القوة لتأكيد الهيمنة السياسية والاقتصادية من قبل بعض الدول يشكل تهديداً خطيراً لسيادة القانون، وهو الأساس الذي يقوم عليه التعايش السلمي بين الأمم. وأشار إلى أن الدبلوماسية القائمة على الحوار والبحث عن توافق بين الأطراف المتنازعة، بدأت تُستبدل بدبلوماسية القوة، سواء كانت فردية أو من خلال تحالفات عسكرية. السيادة، كما أكد البابا، هي حق أساسي يجب احترامه، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى يؤدي إلى تفاقم الصراعات وزيادة المعاناة الإنسانية.
فنزويلا وأوكرانيا: أمثلة على انتهاك السيادة
لم يذكر البابا أسماء الدول بشكل صريح، لكن خطابه جاء في سياق الأحداث الجارية، بما في ذلك العملية العسكرية الأخيرة في فنزويلا والتي تهدف إلى الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، والحرب المستمرة في أوكرانيا. وفيما يتعلق بفنزويلا، دعا البابا إلى إيجاد حل سياسي سلمي يأخذ في الاعتبار “المصلحة العامة للشعوب” بدلاً من “الدفاع عن المصالح الحزبية”. كما أعرب عن قلقه إزاء التدخلات العسكرية التي قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار وتآكل النظام القانوني الدولي.
أما بالنسبة لأوكرانيا، فقد كرر البابا نداءه من أجل وقف فوري لإطلاق النار، وحث المجتمع الدولي على “عدم التردد في التزامه بالسعي إلى إيجاد حلول عادلة ودائمة” تحمي الفئات الأكثر ضعفاً وتعيد الأمل للشعب الأوكراني. هذه الدعوات المتكررة تعكس حرص الكرسي الرسولي على إنهاء الصراع بالطرق السلمية واحترام حقوق الإنسان في أوكرانيا.
غزة والبحث عن حل عادل للقضية الفلسطينية
لم يغفل البابا ليو الرابع عشر القضية الفلسطينية، حيث أكد مجدداً على دعم الكرسي الرسولي لحل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وشدد على حق الفلسطينيين في العيش بكرامة وأمان في غزة والضفة الغربية، مؤكداً أن تحقيق السلام العادل والدائم يتطلب احترام حقوق جميع الأطراف. إن البحث عن حلول مستدامة للقضية الفلسطينية يظل أولوية لدى الفاتيكان، الذي يدعو باستمرار إلى الحوار والتفاوض الجادين.
قضايا أخرى أثارها البابا: الحرية الدينية والحقوق الإنسانية
لم يقتصر خطاب البابا على الصراعات السياسية والعسكرية، بل تطرق أيضاً إلى قضايا أخرى ذات أهمية بالغة، مثل الحرية الدينية والحقوق الإنسانية. وأعرب عن أسفه لوجود “أزمة حقوق إنسان منتشرة” تتعلق باضطهاد المسيحيين في جميع أنحاء العالم، مشيراً إلى أعمال العنف ذات الدوافع الدينية في بلدان مثل بنغلادش ونيجيريا وسوريا. وأكد أن المسيحيين يواجهون أيضاً تمييزاً في أوروبا والأمريكتين، وأنهم يتعرضون للقيود في ممارسة شعائرهم الدينية والدفاع عن قيمهم.
الإجهاض وتأجير الأرحام: موقف الكنيسة الكاثوليكية
كما جدد البابا ليو الرابع عشر معارضة الكنيسة الكاثوليكية للإجهاض والقتل الرحيم، معرباً عن “قلقه العميق” بشأن الجهود المبذولة لتوفير إمكانية الوصول عبر الحدود إلى خدمات الإجهاض. واعتبر تأجير الأرحام تهديداً للحياة والكرامة الإنسانية، مشدداً على أن هذا الإجراء “يحول الحمل إلى خدمة قابلة للتفاوض” وينتهك حقوق الطفل والأم. هذه المواقف تعكس القناعات الأخلاقية والدينية الراسخة للكنيسة الكاثوليكية، والتي تسعى إلى حماية الحياة الإنسانية منذ لحظة الحمل.
نحو دبلوماسية قائمة على الحوار والاحترام المتبادل
في الختام، حذر البابا ليو الرابع عشر من خطر تآكل النظام القانوني الدولي وتصاعد التوترات العالمية. ودعا إلى العودة إلى الدبلوماسية القائمة على الحوار والاحترام المتبادل، وضرورة احترام السيادة الوطنية وحقوق الإنسان. إن رؤية البابا تتطلع إلى عالم يسوده السلام والعدل والتسامح، عالم يتم فيه حل الخلافات بالطرق السلمية والدبلوماسية، ويتم فيه حماية حقوق جميع الأفراد، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم. إن هذه الرسالة تحمل أهمية خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية المعقدة التي يشهدها العالم اليوم، وتدعو إلى بذل جهود مشتركة من أجل بناء مستقبل أفضل للجميع.
