الحياة تحت الاحتلال الروسي: قصص صمود وأمل من أوكرانيا

تستمر قصص الصمود والأمل بالظهور من أوكرانيا، حتى في ظل الظروف القاسية التي يعيشها المدنيون تحت الاحتلال الروسي، وتحديدًا فيما يتعلق بالحياة في المناطق المحتلة. تروي إينا فنوكوفا، التي وجدت ملاذًا آمنًا في إستونيا، تفاصيل مؤلمة عن الأيام الأولى للحرب، حيث لجأت مع عائلتها إلى قبو رطب في قريتهم كودرياشيفكا خوفًا من الغزو الروسي. لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل الخوف المستمر من الجنود، ونقاط التفتيش، والنهب، والقصف المتواصل. هذه التجربة المرعبة، رغم محاولتها نسيانها، تظل محفورة في ذاكرتها.

تجارب مروعة في المناطق التي استولت عليها روسيا

بعد الغزو الروسي الواسع النطاق في فبراير 2022، وجدت عائلة فنوكوفا نفسها في قلب كابوس حقيقي. اختبأت إينا وابنها زينيا، البالغ من العمر 16 عامًا، في قبو قريتهم، بينما كان الجنود يتجولون في الشوارع، ويهددون السكان، وينهبون المنازل. كانت الخوف سائدًا، خاصة وأن القوات الروسية كانت تبحث عن المتعاطفين الأوكرانيين وموظفي الخدمة المدنية.

وفي منتصف مارس، اتخذت إينا قرارًا صعبًا بفرارها مع ابنها وعائلة شقيقها، تاركة زوجها أوليكسي وراءها مؤقتًا. كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر، حيث اضطروا للوصول إلى مدينة ستاروبيلسك المجاورة، ولوحوا بملاءة بيضاء وسط نيران قذائف الهاون. “لقد ودعنا الحياة بالفعل، ولعننا هذا العالم الروسي،” قالت فنوكوفا، مشيرة إلى أن أربع سنوات مرت، ولا تزال الذكرى المرعبة تلازمها.

فر العديد من الأوكرانيين مثل فنوكوفا من القوات الغازية، بينما واجه من بقوا خطر الاعتقال، أو ما هو أسوأ. سيطرت القوات الروسية على حوالي 20٪ من البلاد، واضطر ملايين السكان للتكيف مع واقع جديد.

تحديات الحياة اليومية في ظل السيطرة الروسية

بعد مرور سنوات على الحرب، لا تزال الحياة في المدن والقرى التي تقع تحت الاحتلال الروسي، مثل ماريوبول وكودرياشيفكا، قاسية. يواجه السكان نقصًا حادًا في السكن والمياه والطاقة والتدفئة والرعاية الصحية. اعترف الرئيس فلاديمير بوتين نفسه بأن لديهم “العديد من المشاكل الملحة والعاجلة حقًا”.

في المناطق التي ضمتها روسيا بشكل غير قانوني، مثل دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريزهيا، يتم فرض الجنسية واللغة والثقافة الروسية على السكان. وقد حصل نحو 3.5 مليون شخص على جوازات سفر روسية بحلول ربيع عام 2025، وهو شرط أساسي للحصول على الخدمات الحيوية.

يشعر البعض في هذه المناطق بالخوف من اتهامهم بالتعاطف مع أوكرانيا، وقد تعرض العديد للاعتقال والسجن والضرب والقتل، وفقًا لنشطاء حقوق الإنسان. بقي أوليكسي فنوكوف، زوج إينا، في قريته لمدة أسبوعين تقريبًا، وهدده الجنود الروس مرتين بالقتل. لكنه نجا وهرب ليلم شمله بعائلته في إستونيا.

ممارسات الاعتقال والترهيب في المناطق المحتلة

تواصل القوات الروسية ممارسة “السيطرة النظامية والكاملة” على المناطق المحتلة. تقوم الأجهزة الأمنية الروسية بتحديد هوية الأوكرانيين غير الموالين، وانتزاع الاعترافات، واحتجاز الأشخاص. يواجه السكان باستمرار عمليات فحص وثائق وتفتيش واعتقالات.

استخدمت السلطات الروسية “معسكرات الترشيح” لتحديد الأفراد الذين يُشتبه في عدم ولائهم، أو الذين يعملون في الحكومة، أو يساعدون الجيش الأوكراني، أو لديهم أقارب في الجيش، بالإضافة إلى الصحفيين والمعلمين.

نجا ستانيسلاف شكوتا، الذي كان يعيش في نوفا كاخوفكا المحتلة، من الاعتقال عدة مرات قبل أن يصل إلى الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا. يتذكر تجربة مروعة على متن حافلة أوقفها جنود روس، حيث طُلب من الرجال والنساء خلع ملابسهم لمعرفة ما إذا كان لديهم وشوم أوكرانية.

الدمار والإرهاب في مدن مثل ماريوبول

في بداية الحرب، حاصرت القوات الروسية مدينة ماريوبول، وشهدت المدينة قصفًا وحشيًا. وقع الهجوم الأكثر دموية ضد المدنيين في الحرب على مسرح الدراما الإقليمي الأكاديمي دونيتسك، حيث قُتل ما يقرب من 600 شخص.

اضطر معظم سكان ماريوبول، البالغ عددهم حوالي نصف مليون نسمة، إلى الفرار. أما من بقوا، فقد اختبأوا في الأقبية، وعانوا من نقص الاحتياجات الأساسية. تم تغيير أسماء الشوارع، وتم فرض المناهج المدرسية الروسية، وتم دمج المدينة في المنطقة الزمنية لموسكو.

تستخدم روسيا الإرهاب في الأراضي المحتلة للقضاء جسديًا على الأشخاص النشطين، مثل المعلمين وكتاب الأطفال والموسيقيين ورؤساء البلديات والصحفيين والمدافعين عن البيئة، وذلك لإخافة الأغلبية السلبية.

البنية التحتية المتداعية ونقص الموارد

تعاني المدن المحتلة في شرق أوكرانيا من مشاكل خطيرة في توفير التدفئة والكهرباء والمياه. تعاني مدينة سيفيرودونيتسك من دمار كبير، ويسكنها الآن حوالي 45 ألف شخص فقط.

تعاني مدينة شيڤيرسك من نقص حاد في التدفئة، وشبكات التدفئة البلدية في حالة سيئة. في منطقة دونيتسك، تعتمد المباني السكنية على شاحنات المياه، لكن الشاحنات تتجمد في الشتاء، مما يؤدي إلى تفاقم مشكلة شح المياه.

يواجه السكان صعوبات جمة في الحصول على الرعاية الصحية، حيث لا يوجد سوى عدد قليل من الطواقم الطبية في بعض المدن.

بناء حياة جديدة والأمل في المستقبل

في ظل هذه الظروف الصعبة، تحاول إينا فنوكوفا بناء حياة جديدة في إستونيا. لديها الآن ابنة رضيعة، وابنها الكبير يبلغ من العمر 20 عامًا. ومع ذلك، لا يزال لديها أمل في أن ترى ابنتها منطقة لوهانسك الأصلية يومًا ما. “كنا نحلم بالعودة منذ أربع سنوات، ولكننا نتساءل بشكل متزايد: ماذا سنرى هناك؟” تسأل.

تظل قصص الصمود والأمل في أوكرانيا دليلًا على قوة الروح الإنسانية في مواجهة الشدائد.

شاركها.