في قلب كولومبيا، تبرز قضية السلام والمخدرات كملف شائك يؤثر على مستقبل البلاد. أعلن الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو عن قبول مبادرة جديدة من جيش التحرير الوطني (ELN)، أكبر جماعة متمردة متبقية في البلاد، تتعلق بالتحقيق في مزاعم ارتباط المجموعة بتجارة المخدرات. هذه الخطوة تحمل في طياتها آمالًا بإعادة إحياء مسار السلام الذي تعثر لسنوات.

## اقتراح جيش التحرير الوطني: لجنة مستقلة للتحقيق في صلات المخدرات

في خطوة مفاجئة، قدم أنطونيو جارسيا، قائد جيش التحرير الوطني، اقتراحًا عبر مقطع فيديو نُشر في 20 يناير. يكمن جوهر الاقتراح في السماح للجنة مستقلة بإجراء تحقيق شامل حول المزاعم التي تربط الجماعة بتجارة المخدرات. نفى جارسيا هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدًا أن جيش التحرير الوطني لا يدير أي طرق لتهريب المخدرات أو مختبرات لإنتاج الكوكايين، وإن كانت تفرض “ضرائب” على تجار الكوكايين.

“ليس لجيش التحرير الوطني أي علاقة بتهريب المخدرات”، هكذا صرح جارسيا، متحديًا الحكومة الكولومبية بالسماح لهذه اللجنة بالتحقق من صحة أقوالهم. هذا التحدي يضع الكرة في ملعب الحكومة، ويتطلب منها ردًا حاسمًا لاستئناف محادثات السلام.

### رد فعل الرئيس بيترو: قبول مشروط ودعوة للتعاون

لم يتردد الرئيس جوستافو بيترو في الرد على اقتراح جيش التحرير الوطني. عبر منصة X (تويتر سابقًا)، أعلن بيترو قبوله الرسمي للمبادرة. لكن قبوله جاء مشروطًا ببعض الضوابط الهامة.

أكد الرئيس بيترو أن الوكالة المكلفة بالتحقق يجب أن تتسم بـ “العلمية والاستقلالية عن الحكومات”. كما شدد على ضرورة تقديم نتائج التحقيق إلى منظمة الأمم المتحدة، مما يضفي أكبر قدر من الشفافية والمصداقية على العملية.

بالإضافة إلى ذلك، وجه بيترو نداءً إلى المتمردين لدعم الجهود الهادفة إلى استبدال محاصيل الكوكا في منطقة كاتاتومبو بشمال شرق البلاد. هذه المنطقة تعتبر بؤرة رئيسية لزراعة الكوكا، ويعتبر استبدالها خطوة حاسمة نحو إنهاء دورة تجارة المخدرات.

## جذور الخلاف: اتهامات تجارة المخدرات وإعاقة مفاوضات السلام

لطالما كانت اتهامات الرئيس بيترو لجماعة جيش التحرير الوطني بالتربح من تجارة المخدرات نقطة خلاف رئيسية. وصف الرئيس قيادة الجماعة بـ “تجار المخدرات الذين يرتدون زي مقاتلي حرب العصابات”، مما يعكس عمق الخلاف والاتهامات الموجهة.

هذه العلاقة المزعومة بتجارة المخدرات كانت أحد العوامل الأساسية التي أعاقت تقدم محادثات السلام خلال العامين الأولين من إدارة بيترو. لم تكن المزاعم وحدها كافية لتعطيل المفاوضات، بل ساهمت في تفاقم التوترات.

### انهيار محادثات السلام وهجوم كاتاتومبو

تفاقمت الأزمة عندما انهارت محادثات السلام بين الحكومة وجيش التحرير الوطني في نهاية المطاف العام الماضي. جاء الانهيار بعد هجوم شنته الجماعة في كاتاتومبو، أسفر عن مقتل العشرات وإجبار أكثر من 50 ألف شخص على الفرار من منازلهم. هذا الهجوم المروع سلط الضوء على الطبيعة العنيفة للصراع وأثر بشكل كبير على مسار السلام.

## مسار نحو الوفاق الوطني: آمال جديدة للمفاوضات

على الرغم من الانتكاسات، أبدى جيش التحرير الوطني في يناير رغبته في العمل مع الحكومة لتحقيق “الوفاق الوطني”. هذا المصطلح يشير إلى مساحة مشتركة للتعاون يمكن أن تمهد الطريق لاستئناف المفاوضات.

مع ذلك، وضع الرئيس بيترو شرطًا واضحًا لاستئناف المحادثات: تخلي الجماعة بشكل كامل عن تجارة المخدرات. هذا الشرط يعكس إصرار الحكومة على معالجة جذور المشكلة قبل المضي قدمًا في أي اتفاق سلام.

### لمحة عن جيش التحرير الوطني: تاريخ وتوسع

تأسس جيش التحرير الوطني في أوائل الستينيات، ويضم حاليًا ما يقرب من 5000 مقاتل منتشرين في كولومبيا ودولة فنزويلا المجاورة. شهدت الجماعة توسعًا في نفوذها في المجتمعات الريفية على طول الحدود الكولومبية الفنزويلية في السنوات الأخيرة.

هذا التوسع جاء لملء فراغ السلطة الذي خلفته القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC)، الجماعة المتمردة التي تم حلها في عام 2017 بعد توقيع اتفاق سلام مع الحكومة الكولومبية.

## اعتبارات إضافية: التهديدات والضغوط الدولية

في يناير، أشارت تقارير إلى أن مسؤولين كولومبيين ناقشوا إمكانية شن هجمات على جيش التحرير الوطني بمساعدة الجيش الأمريكي، وذلك في محادثة هاتفية مع الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب. يشير هذا إلى الضغوط الدولية المتزايدة على كولومبيا لمعالجة قضايا التمرد وتجارة المخدرات.

### خلاصة: طريق طويل نحو السلام

تمثل الموافقة على اقتراح جيش التحرير الوطني بشأن لجنة التحقيق المستقلة خطوة إيجابية نحو استئناف مفاوضات السلام. ومع ذلك، يبقى الطريق طويلاً ومليئًا بالتحديات. إن معالجة قضية تجارة المخدرات بشكل فعال، مع ضمان الشفافية والمساءلة، سيكون أمرًا حاسمًا لتحقيق سلام دائم وشامل في كولومبيا. يبقى الأمل معلقًا على ما ستحمله الأيام القادمة من تطورات في هذا الملف الشائك.

شاركها.