في مشهد يجمع بين الإيمان العميق والغضب الشعبي، شهدت العاصمة الفلبينية مانيلا يوم الجمعة موكبًا سنويًا مهيبًا لتمثال الناصري الأسود، حيث تدفق حشد كبير من الكاثوليك الفلبينيين حفاة القدمين للمشاركة في هذه التقاليد الدينية العريقة. لم يقتصر هذا الحدث على الطقوس الدينية فحسب، بل تحول أيضًا إلى منصة للتعبير عن الاستياء العام من قضايا الفساد المستشري التي تهز البلاد.
موكب الناصري الأسود: تقليد عريق وتعبير عن الإيمان
يعتبر موكب الناصري الأسود أحد أهم وأبرز المناسبات الدينية في آسيا، حيث يجذب الملايين من المصلين سنويًا. بدأ الموكب بعد قداس منتصف الليل في حديقة ريزال الساحلية، وانطلق قبل الفجر حاملًا تمثال يسوع الناصري الخشبي العريق على عربة مفتوحة. يمتد الموكب لمسافة تقارب الستة كيلومترات عبر شوارع مانيلا المزدحمة، بالقرب من القصر الرئاسي الذي يخضع لحراسة أمنية مشددة.
يُعتقد أن هذا التمثال، المتوج بالأشواك وحاملًا الصليب، قد وصل إلى الفلبين من المكسيك عام 1606 على متن سفينة إسبانية. وعلى الرغم من تعرض السفينة للحريق، إلا أن التمثال نجا بأعجوبة، وهو ما عزز الاعتقاد بقوته الخارقة وقدرته على الصمود في وجه الكوارث. هذا الصمود عبر القرون، من الحرائق والزلازل وحتى قصف الحرب العالمية الثانية، يجعله رمزًا قويًا للإيمان والأمل لدى الفلبينيين.
إجراءات أمنية مشددة لتأمين الموكب
نظرًا لأهمية هذا الحدث وحجم الحشود المتوقعة، نشرت السلطات الفلبينية حوالي 15 ألف ضابط شرطة مدعومين بعناصر المخابرات للحفاظ على النظام وتأمين الموكب. فرضت السلطات حظرًا على الأسلحة والمشروبات الكحولية، بالإضافة إلى حظر استخدام الطائرات بدون طيار وحقائب الظهر. كما تم التشويش على إشارات الهواتف المحمولة على طول طريق الموكب كإجراء احترازي إضافي.
غضب شعبي من الفساد يرافق مسيرة الإيمان
لم يكن الموكب مجرد تعبير عن الإيمان الديني، بل كان أيضًا فرصة للفلبينيين للتعبير عن غضبهم واستيائهم من فضيحة فساد كبرى هزت البلاد مؤخرًا. تتعلق الفضيحة بتورط عشرات الأعضاء من مجلسي النواب والشيوخ في تلقي رشاوى ضخمة من شركات البناء مقابل مشاريع وهمية للسيطرة على الفيضانات.
أثناء سيرهم في الموكب، ردد العديد من المصلين هتافات تطالب بـ “سجن الفاسدين الآن”، معربين عن إحباطهم من التأخير في تنفيذ وعود الرئيس فرديناند ماركوس الابن بمحاسبة المتورطين في الفساد. كما انتقد الأسقف روفينو سيسكون المسؤولين المتورطين في الفضيحة خلال عظته في القداس الذي سبق الموكب، داعيًا إياهم إلى الاستقالة والتنحي عن مناصبهم.
أصداء الفساد في قلوب المصلين
“آمل أن يرحل هؤلاء المسؤولون الحكوميون الفاسدون. إنهم لا يستحقون الجلوس في السلطة”، هكذا عبرت فينوس لوبيز، البالغة من العمر 62 عامًا، وهي تحمل نسخة طبق الأصل من تمثال الناصري الأسود. تعكس هذه الكلمات مشاعر العديد من الفلبينيين الذين يرون في الفساد تهديدًا لمستقبل بلادهم.
حوادث مؤسفة خلال الموكب
على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة، وقعت بعض الحوادث المؤسفة خلال الموكب. تم علاج أكثر من 250 من المصلين من الكدمات والالتواءات في خيام الإسعافات الأولية المنتشرة على طول الطريق. وفي حادث مأساوي، انهار مصور فلبيني بالقرب من رصيف قبل ساعة من بدء الموكب وتوفي أثناء نقله إلى المستشفى.
الكاثوليكية الفلبينية: مزيج من الإيمان والتقاليد الشعبية
يعكس مشهد موكب الناصري الأسود الطابع الفريد للكاثوليكية في الفلبين، حيث تتداخل المعتقدات الدينية مع الخرافات الشعبية والتقاليد المحلية. فبالإضافة إلى هذا الموكب، يشارك العديد من الفلبينيين في طقوس أخرى مثل الصلب على الصليب في يوم الجمعة العظيمة، في تقليد يهدف إلى محاكاة معاناة المسيح. تعتبر الفلبين أكبر دولة كاثوليكية في آسيا، والإيمان يلعب دورًا مركزيًا في حياة الكثيرين.
في الختام، لم يكن موكب الناصري الأسود مجرد حدث ديني تقليدي، بل كان تعبيرًا عن الإيمان العميق للشعب الفلبيني، بالإضافة إلى غضبه من الفساد المستشري. هذا الحدث يذكرنا بأهمية المحاسبة والشفافية في الحكم، وبضرورة العمل من أجل بناء مستقبل أفضل للفلبين. يمكنكم مشاركة هذا المقال مع أصدقائكم وعائلاتكم للمساهمة في نشر الوعي حول هذه القضية الهامة.
