يبدو أن رئيس الوزراء الألباني ألبين كورتي في طريقه لتحقيق فوز كبير في الانتخابات البرلمانية في كوسوفو، مما يمهد الطريق لولاية ثانية. أظهرت النتائج الأولية، المعلنة بعد فرز معظم الأصوات، تفوق حزب “تقرير المصير” (Vetëvendosja) بشكل ملحوظ على منافسيه، محققًا حوالي 50% من الأصوات. هذا الفوز يمثل لحظة حاسمة لكوسوفو، الدولة الصغيرة الواقعة في منطقة البلقان، ويحمل معه وعودًا بالتغيير وتحديات جمة في المستقبل القريب. يمثل هذا الانتصار تحديًا جديدًا للسياسة الكوسوفية، خاصةً فيما يتعلق بتطبيع العلاقات مع صربيا والتعامل مع القضايا الاقتصادية.
فوز ساحق وحسابات ما بعد الانتخابات
حقق حزب “تقرير المصير” بقيادة كورتي تقدمًا كبيرًا على حزب كوسوفو الديمقراطي المعارض الذي حصل على 21% من الأصوات، ورابطة كوسوفو الديمقراطية التي نالت حوالي 14%. وأعرب كورتي عن سعادته بالنتيجة، واصفًا إياها بأنها “أكبر انتصار في تاريخ البلاد”. وشدد على أن “الكثير من العمل” ينتظرهم، مما يعكس إدراكه للتحديات الكبيرة التي تواجه كوسوفو.
السؤال الأهم المطروح الآن هو ما إذا كان الحزب الفائز سيحصل على 61 مقعدًا في البرلمان المؤلف من 120 عضوًا، وهو العدد اللازم للحكم بمفرده. حتى الآن، لم تتضح الصورة بشكل كامل، لكن كورتي أكد عزمه على تشكيل برلمان وحكومة جديدين في أقرب وقت ممكن، مشدداً على عدم وجود وقت لضياعه. الأولوية حالية لتشكيل تحالفات قوية تضمن استقرارًا سياسيًا قادرًا على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
احتفالات عارمة وجذور الأزمة السياسية
شهدت العاصمة بريشتينا احتفالات عارمة من قبل أنصار الحزب الحاكم، حيث تجمعوا أمام مكاتب الحزب وهتفوا باسم كورتي تعبيرًا عن فرحتهم. هذا الفوز يمثل نهاية لشهور من الجمود السياسي الذي أعقب الانتخابات السابقة في فبراير، حيث فشل كورتي في تشكيل حكومة على الرغم من فوزه بأكبر عدد من الأصوات في ذلك الوقت.
تجدر الإشارة إلى أن كوسوفو مرت بأزمة مماثلة في الماضي، وكانت هذه هي المرة الأولى بعد إعلان الاستقلال عن صربيا عام 2008 التي لا تتمكن فيها من تشكيل حكومة. هذا يعكس مدى تعقيد المشهد السياسي في البلاد، والحاجة إلى توافق وطني لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
التحديات الاقتصادية والسياسية المقبلة
أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة هو المضي قدمًا في إقرار ميزانية الدولة للعام المقبل. فعدم الموافقة على الميزانية أثار مخاوف بشأن الوضع الاقتصادي الهش في كوسوفو، التي يبلغ عدد سكانها حوالي مليوني نسمة. كما أن انتخاب رئيس جديد في مارس القادم، حيث تنتهي ولاية الرئيس الحالي فيوسا عثماني في بداية أبريل، يمثل ملفًا هامًا يجب على البرلمان الجديد التعامل معه.
بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية، يواجه كورتي ضغوطًا سياسية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بتطبيع العلاقات مع صربيا. فالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يريان أن تطبيع العلاقات شرط أساسي لمواصلة دعم كوسوفو ومساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد أدت سياسته المتشددة في هذا الملف إلى فرض إجراءات عقابية من قبل الغرب، مما زاد من تعقيد الوضع. وتنطوي قضية تطبيع العلاقات على حساسية كبيرة بسبب تاريخ الصراع بين البلدين.
تطلعات المواطنين ومستقبل كوسوفو
أعرب العديد من المواطنين عن آمالهم في أن تجلب الانتخابات تغييرًا إيجابيًا. قال إيلمي ديليو، وهو متقاعد من بريشتينا، إنه يأمل أن تشكل الحكومة الجديدة بداية لمستقبل أفضل، وإلا فإن البلاد ستتجه نحو الهاوية. ويشعر الكثير من الشباب بالإحباط بسبب نقص الفرص الاقتصادية والاجتماعية، ويتطلعون إلى حكومة قادرة على معالجة هذه المشكلات.
الانتخابات في كوسوفو لا تمثل مجرد تغيير في السلطة، بل تعكس أيضًا تطلعات الشعب الكوسوفي نحو مستقبل أفضل. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة، فإن هناك إمكانات هائلة للنمو والتنمية في هذا البلد الشاب. فالاستقرار السياسي والتعاون الإقليمي والالتزام بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية هي عوامل أساسية لتحقيق هذه الإمكانات. إضافة إلى ذلك، فإن قبول كوسوفو لمهاجرين من دول ثالثة، كجزء من اتفاقيات مع الولايات المتحدة، يعكس انفتاحًا جديدًا ومن الممكن أن يؤثر إيجابًا على التركيبة السكانية والاقتصادية. لكن الأهم هو بناء الثقة بين جميع المكونات العرقية في كوسوفو، وضمان حقوقهم وحرياتهم.
باختصار، فوز حزب “تقرير المصير” في الانتخابات البرلمانية في كوسوفو يمثل فرصة تاريخية لتحقيق التغيير الإيجابي، ولكنه أيضًا يحمل معه مسؤولية كبيرة في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية المعقدة. ويتطلب نجاح الحكومة الجديدة العمل الجاد والمثابرة والتعاون مع جميع الأطراف المعنية، من أجل بناء مستقبل أفضل لجميع المواطنين الكوسوفيين. وسيتابع المراقبون عن كثب خطوات كورتي في الملفات الرئيسية، وخاصة علاقات كوسوفو بالاتحاد الأوروبي وبصربيا.
