تتجه ملامح النمو الاقتصادي العالمي نحو التباطؤ الطفيف هذا العام، وفقًا لتقديرات حديثة أصدرتها الأمم المتحدة. التقرير، الذي يمثل تحديثًا للتوقعات السابقة، يشير إلى نمو بنسبة 2.7% في عام 2024، وهو أقل قليلًا من التقديرات التي تم الإدلاء بها في العام الماضي. يعزى هذا التراجع إلى عدة عوامل متشابكة، أبرزها ارتفاع أسعار النفط، والتعريفات الجمركية الأمريكية المتزايدة، والشكوك الاقتصادية المستمرة، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي العالمي.

توقعات الأمم المتحدة للنمو الاقتصادي العالمي في 2024 وما بعده

تتوقع الأمم المتحدة أن يستمر النمو الاقتصادي في مساره البطيء حتى عام 2027، حيث من المتوقع أن يصل إلى 2.9%. هذا الرقم لا يزال أقل بكثير من متوسط النمو الذي بلغ 3.2% بين عامي 2010 و 2019، أي قبل أن تعصف جائحة كوفيد-19 بالاقتصادات حول العالم. وتشير التقديرات إلى نمو متوقع بنسبة 2.8% في عام 2025.

وفي بيان للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أكد على أن “مزيجًا من التوترات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية يعيد تشكيل المشهد العالمي، ويولد توترات وعدم يقين اقتصادي ونقاط ضعف اجتماعية جديدة.” هذه التوترات تتطلب مراقبة دقيقة وتنسيقًا دوليًا لمواجهة التحديات المحتملة.

مرونة غير متوقعة في مواجهة التعريفات الجمركية الأمريكية

على الرغم من هذه التحديات، أظهر الاقتصاد العالمي “قدرة على الصمود غير متوقعة” في مواجهة الزيادات الحادة في الرسوم الجمركية الأمريكية التي تم تطبيقها العام الماضي. يعزى هذا الصمود إلى قوة الإنفاق الاستهلاكي وتخفيف التضخم، مما ساعد في الحفاظ على زخم النمو. ومع ذلك، حذر خبراء الأمم المتحدة من أن نقاط الضعف الأساسية لا تزال قائمة، وأن هذه المرونة قد لا تستمر إلى الأبد.

التركيز على السياسات الاقتصادية وتأثيرها على التجارة العالمية يظهر بوضوح في هذا التقرير. الاستمرار في مراقبة تطورات التعريفات الجمركية وتأثيرها على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية أمر بالغ الأهمية.

نظرة إقليمية على النمو الاقتصادي

يقدم تقرير الأمم المتحدة عن الوضع والتوقعات الاقتصادية العالمية نظرة إقليمية مفصلة، حيث يتوقع أن يظل النمو في أوروبا واليابان والولايات المتحدة مستقرًا نسبيًا.

الولايات المتحدة: تباطؤ النمو المتوقع

في الولايات المتحدة، يتوقع انخفاض النمو من 2.8% في عام 2024 إلى حوالي 1.9% في عام 2025، ويرجع ذلك جزئيًا إلى ضعف قطاعي البناء السكني والتجاري. ومع ذلك، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد الأمريكي انتعاشًا طفيفًا في النمو هذا العام، ليصل إلى 2%، ثم يرتفع إلى 2.2% في عام 2027، مدفوعًا بالإنفاق الاستهلاكي القوي والاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي.

اليابان: تحديات مستمرة

من المتوقع أن يشهد الاقتصاد الياباني نموًا متواضعًا بنسبة 0.9% هذا العام، و1% في عام 2027، وهو أقل من النمو المتوقع لعام 2025 البالغ 1.2%. ويواجه الاقتصاد الياباني تحديات تتعلق بالصادرات، حيث من المرجح أن تظل مقيدة بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة وعدم اليقين بشأن السياسات التجارية.

الاتحاد الأوروبي: تأثير الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية

يتوقع التقرير انخفاضًا طفيفًا في النمو الاقتصادي للاتحاد الأوروبي من 1.5% في عام 2025 إلى 1.4% في عام 2026، بسبب تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية المتزايدة واستمرار التوترات الجيوسياسية التي تؤثر سلبًا على الصادرات. ومع ذلك، من المتوقع أن يتعافى النمو في عام 2027 ليصل إلى 1.6%.

الاقتصادات الناشئة: محركات النمو الرئيسية

على صعيد أكثر إيجابية، من المتوقع أن تستمر بعض الاقتصادات الناشئة الكبيرة، بما في ذلك الصين والهند وإندونيسيا، في تحقيق نمو قوي. هذه الدول تمثل محركات رئيسية للنمو الاقتصادي العالمي، وتساهم بشكل كبير في تعزيز الاستقرار الاقتصادي.

الصين: تباطؤ تدريجي

من المتوقع أن ينمو اقتصاد الصين بنسبة 4.6% في عام 2026 و 4.5% في عام 2027، وهو أقل من التوسع المقدر بـ 4.9% في عام 2025. ومع ذلك، ساهم التخفيف المؤقت للتوترات التجارية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك التخفيضات المستهدفة للتعريفات الجمركية والهدنة التجارية لمدة عام، في استقرار الثقة في الاقتصاد الصيني.

أفريقيا: فرص وتحديات

من المتوقع أن يشهد الاقتصاد الأفريقي نموًا متواضعًا، من 3.9% في عام 2025 إلى 4% في عام 2026 و 4.1% في عام 2027. ومع ذلك، تواجه أفريقيا تحديات كبيرة تتعلق بارتفاع الديون والصدمات المرتبطة بتغير المناخ.

أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي: آفاق مرنة

على الرغم من أن “الآفاق لا تزال مرنة على نطاق واسع”، فمن المتوقع أن يتراجع النمو في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي قليلاً من 2.4% في عام 2025 إلى 2.3% في عام 2026، قبل أن يرتفع إلى 2.5% في عام 2027.

الخلاصة: الحاجة إلى التعاون الدولي

باختصار، يشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن النمو الاقتصادي العالمي يواجه رياحًا معاكسة، وأن التوقعات المستقبلية تتسم بالحذر. ومع ذلك، هناك أيضًا بعض الإشارات الإيجابية، مثل المرونة التي أظهرها الاقتصاد العالمي في مواجهة التحديات الأخيرة، والنمو القوي في بعض الاقتصادات الناشئة.

لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل، من الضروري تعزيز التعاون الدولي، ومعالجة التوترات الجيوسياسية، وتنفيذ سياسات اقتصادية فعالة تدعم الاستثمار والابتكار والوظائف. يجب على الدول العمل معًا لمواجهة التحديات المشتركة، وضمان مستقبل أفضل للجميع. لمزيد من المعلومات، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي للأمم المتحدة.

شاركها.