في العام الماضي، شهدت لندن مسيرات حاشدة مناهضة للهجرة، تردد فيها هتافات تطالب بترحيل المقيمين. لم تقتصر هذه المشاعر على الشارع، بل تجلت في تصريحات سياسية بارزة، مما يعكس تصاعداً مقلقاً في الخطاب المناهض للمهاجرين في المملكة المتحدة وأوروبا بشكل عام. هذا التحول الخطير يثير تساؤلات حول مستقبل التنوع والاندماج في القارة، ويضع الضغوط على الأحزاب الرئيسية التي تتخبط بين استرضاء اليمين المتطرف والحفاظ على قيمها الليبرالية.

تصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين في أوروبا

الهجرة أصبحت قضية محورية في الساحة السياسية الأوروبية، مستفيدة من مجموعة من العوامل المتضافرة. بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، والركود الاقتصادي الذي أعقبها، ازداد الشعور بالانقسام وعدم الأمان لدى الكثيرين. هذا الشعور تفاقم مع تدفقات اللجوء الكبيرة، خاصة من مناطق الصراع في أفريقيا والشرق الأوسط وأوكرانيا، على الرغم من أن أعداد طالبي اللجوء لا تمثل سوى جزء صغير من إجمالي عدد المهاجرين.

الأحزاب اليمينية المتطرفة تستغل هذه الأجواء ببراعة. في المملكة المتحدة، يبرز حزب الإصلاح، والذي يتصدر استطلاعات الرأي ببرنامج متشدد يهدف إلى الحد من الهجرة بشكل كبير. وفي ألمانيا، يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) مكاسب متزايدة من خلال التركيز على المخاوف المتعلقة بالهوية الوطنية والتأثيرات الثقافية. بالمثل، في فرنسا، يواصل التجمع الوطني (RN) بقيادة جوردان بارديلا حشد الدعم من خلال خطاب مناهض للهجرة يأخذ أشكالاً مختلفة.

تأثير ترامب واللغة العدائية

لا يمكن إغفال تأثير الخطاب السياسي الذي نشأ في الولايات المتحدة، خاصة خلال فترة ولاية الرئيس ترامب. تصريحات ترامب، التي وصفت المهاجرين الصوماليين بـ “القمامة” على سبيل المثال، وجدت صدى لدى بعض الجماعات المتطرفة في أوروبا وشجعت على تبني لغة أكثر حدة وعدائية تجاه المهاجرين.

تتضمن استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة ترامب تصوير أوروبا على أنها تعاني من “التدهور الاقتصادي” و “المحو الحضاري” بسبب الهجرة، وهو ما يمثل دعماً غير مسبوق للمشاعر المناهضة للمهاجرين ويثير مخاوف بين السياسيين الأوروبيين. جوردان بارديلا، على سبيل المثال، أعرب عن اتفاقه مع مخاوف الإدارة الأمريكية بشأن تأثير الهجرة على “توازن” الدول الأوروبية.

صعود الشعبوية القومية

صعود السياسيين القوميين الكاريزماتيين أدى إلى تعزيز هذا الخطاب. هؤلاء السياسيون غالباً ما يركزون على المخاوف المتعلقة بالهوية الوطنية والسيادة، ويصورون المهاجرين على أنهم تهديد لهذه القيم. وسائل التواصل الاجتماعي، بدورها، لعبت دوراً هاماً في تضخيم هذه الرسائل وتوسيع نطاق تأثيرها. خوارزميات هذه المنصات غالبًا ما تشجع على المحتوى المثير للانقسام، مما يخلق ما يشبه “غرف الصدى” حيث يتم تعزيز الآراء المتطرفة.

تداعيات على أرض الواقع: جرائم الكراهية والانقسام المجتمعي

إن تزايد الخطاب المناهض للهجرة لم يقتصر على السياسة والإعلام، بل ترجم إلى تداعيات ملموسة على أرض الواقع. تشهد دول أوروبية ارتفاعاً مقلقاً في جرائم الكراهية التي تستهدف المهاجرين والأقليات العرقية والدينية.

في المملكة المتحدة، كشفت إحصائيات حكومية عن تسجيل أكثر من 115 ألف جريمة كراهية في العام المنتهي بشهر مارس 2025، بزيادة قدرها 2٪ عن العام السابق. وقد شهدت البلاد أعمال عنف اندلعت في الشوارع على خلفية معلومات خاطئة انتشرت عبر الإنترنت حول مهاجم من أصل مسلم.

الاحتجاجات أمام مراكز استقبال اللاجئين أصبحت ظاهرة متكررة في دول مثل أيرلندا وهولندا، وفي بعض الأحيان تتحول إلى أعمال عنف. الخوف من الجريمة والسلوك السيئ المرتبط بالمهاجرين هو أحد الدوافع الرئيسية وراء هذه الاحتجاجات، ولكن الأجندة غالباً ما تكون أوسع من ذلك بكثير.

استجابة الأحزاب الرئيسية وتحول في المواقف

في خضم هذه التوترات المتصاعدة، بدأت الأحزاب الرئيسية في أوروبا في تبني مواقف أكثر تشدداً بشأن الهجرة. حتى الأحزاب التي كانت تدافع تقليدياً عن سياسات أكثر انفتاحاً، تجد نفسها مجبرة على الاستجابة للمخاوف المتزايدة لدى الناخبين.

حزب العمال في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، ينتقد العنصرية بشكل علني، ولكنه في الوقت نفسه يعلن عن سياسات تهدف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية. وبريطانيا والدنمارك تضغطان من أجل إضعاف الحماية القانونية للمهاجرين وتسهيل عمليات الترحيل.

خطر التطرف و”نظرية الاستبدال العظيم”

خبراء حقوق الإنسان يحذرون من أن هذه المحاولات لاسترضاء اليمين لا تؤدي إلا إلى سياسات أكثر تطرفاً. يخشون من أن التنازلات المستمرة ستفتح الباب أمام المزيد من القيود على حقوق المهاجرين والأقليات، وستؤدي إلى تفاقم الانقسام المجتمعي.

وتثير اللغة المستخدمة من قبل بعض السياسيين مخاوف بشأن تبني عناصر من “نظرية الاستبدال العظيم”، وهي نظرية مؤامرة تروج لفكرة أن هناك مؤامرة متعمدة لاستبدال السكان البيض بغير البيض من خلال الهجرة. التحذير من خطر تحول الدول إلى “جزيرة للغرباء”، كما فعل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يعتبر مثالاً على هذا النوع من الخطاب.

نحو خطاب أكثر مسؤولية

من الضروري أن يتحلى السياسيون بمسؤولية أكبر في خطابهم حول الهجرة. يجب عليهم تجنب استخدام لغة مثيرة للانقسام أو تعزيز الصور النمطية السلبية. بدلاً من ذلك، يجب عليهم التركيز على بناء مجتمع أكثر تماسكاً وتسامحاً، وتعزيز قيم التنوع والاندماج.

في الوقت نفسه، يجب على وسائل الإعلام أن تلعب دوراً أكثر فعالية في فضح العنصرية والكراهية، وتقديم تغطية متوازنة وموضوعية لقضية الهجرة. يجب عليها أيضاً أن تسلط الضوء على المساهمات الإيجابية التي يقدمها المهاجرون للمجتمع.

إن مواجهة التحديات المرتبطة بالهجرة تتطلب جهوداً مشتركة من جميع الأطراف المعنية. من خلال الحوار المفتوح والتعاون الجاد، يمكننا أن نبني مستقبلًا أفضل للجميع، مستقبلًا يقوم على الاحترام المتبادل والتفاهم والتعايش السلمي.

شاركها.