على مدى الخمسين عامًا الماضية، شهدت إيران سلسلة متواصلة من الاحتجاجات الشعبية، تعكس حالة من عدم الرضا المتراكم وتطلعات متغيرة. هذه الاحتجاجات، التي تتراوح بين المطالبة بالحريات السياسية وصولًا إلى الاعتراض على السياسات الاقتصادية والقيود الاجتماعية، تشكل جزءًا لا يتجزأ من تاريخ إيران الحديث. يركز هذا المقال على استعراض أبرز هذه الاحتجاجات في إيران، والأسباب التي أدت إلى اندلاعها، والتطورات التي شهدتها، مع تحليل السياق السياسي والاجتماعي لكل منها.

الثورة الإسلامية عام 1979: الشرارة الأولى للتغيير

في سبعينيات القرن الماضي، اشتعلت المظاهرات في إيران ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، الذي اتسم بالاستبداد والقمع السياسي. طالب الطلاب والعمال، بالإضافة إلى قطاعات واسعة من المجتمع، بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية. تفاقمت الأوضاع بسبب تدهور صحة الشاه، مما أضعف سلطته وزاد من حدة المعارضة.

بلغت المظاهرات ذروتها في فبراير 1979، مع عودة آية الله روح الله الخميني من منفاه، لتتحول إلى ثورة شعبية أطاحت بالشاه وأسست الجمهورية الإسلامية. على الرغم من أن الثورة جاءت استجابةً لمطالب شعبية بالحرية والعدالة، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى نظام ديني متشدد فرض قيودًا صارمة على الحريات الفردية. أدت هذه التحولات إلى إعدام الآلاف من المعارضين، وتأجيل آمال الكثيرين في تحقيق الديمقراطية.

احتجاجات الطلاب عام 1999: صدى القمع

بعد سنوات من الهدوء النسبي، اندلعت احتجاجات طلابية في عام 1999، بدأت في جامعة طهران وامتدت إلى مدن أخرى. كانت الشرارة التي أشعلت هذه الاحتجاجات هي مقتل العديد من المثقفين والناشطين، الذين عُرفوا بـ “جرائم القتل المتسلسلة” التي لم يتم التحقيق فيها بشكل كامل.

تطورت الاحتجاجات بسرعة، حيث طالب الطلاب بالكشف عن هوية القتلة وتقديمهم للعدالة، بالإضافة إلى المطالبة بمزيد من الحريات السياسية والاجتماعية. ردت قوات الأمن بقمع وحشي، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص واعتقال أكثر من 1200 طالب. أظهرت هذه الاحتجاجات استمرار المعارضة للنظام، وقدرة الشباب الإيراني على التعبير عن غضبهم وإحباطهم.

الحركة الخضراء عام 2009: المطالبة بالديمقراطية

تعتبر الحركة الخضراء من أبرز الحركات الاحتجاجية في تاريخ إيران الحديث. اندلعت الاحتجاجات في صيف عام 2009، بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز بها محمود أحمدي نجاد، وسط اتهامات واسعة بالتزوير.

خرج الملايين من الإيرانيين إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد، مطالبين بإعادة فرز الأصوات وإجراء تحقيق شفاف في نتائج الانتخابات. تطورت الاحتجاجات إلى حركة شعبية واسعة النطاق، تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتحقيق الديمقراطية. واجه النظام هذه الاحتجاجات بقمع وحشي، مما أدى إلى مقتل العشرات واعتقال الآلاف، بالإضافة إلى فرض قيود صارمة على وسائل الإعلام والإنترنت.

احتجاجات 2017-2018: الغضب الاقتصادي

في نهاية عام 2017 وبداية عام 2018، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في العديد من المدن الإيرانية، بدأت في مدينة مشهد وسرعان ما خرجت عن السيطرة. كانت الأسباب الرئيسية لهذه الاحتجاجات هي ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وخطط الحكومة لخفض المساعدات النقدية المقدمة للفقراء.

عبّر المتظاهرون عن غضبهم وإحباطهم من الفساد الاقتصادي وسوء الإدارة، وطالبوا بتحسين الأوضاع المعيشية وتوفير فرص العمل. ردت قوات الأمن بقمع الاحتجاجات، مما أدى إلى مقتل أكثر من 20 شخصًا واعتقال المئات.

احتجاجات البنزين عام 2019: شرارة العنف

في نوفمبر 2019، أعلنت الحكومة الإيرانية عن زيادة حادة في أسعار البنزين المدعومة، مما أثار احتجاجات عنيفة في جميع أنحاء البلاد. ترافق ذلك مع حرق محطات الوقود والبنوك والمتاجر، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الأمنية.

أفادت التقارير بمقتل أكثر من 300 شخص، وقامت السلطات باتخاذ إجراءات قمعية واسعة النطاق، بما في ذلك إغلاق الوصول إلى الإنترنت في البلاد. أظهرت هذه الاحتجاجات مدى الغضب الشعبي من السياسات الاقتصادية للحكومة، واستعداد الإيرانيين للمخاطرة بحياتهم للتعبير عن معارضتهم.

احتجاجات مهسا أميني عام 2022: ثورة المرأة

في سبتمبر 2022، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في إيران، بعد وفاة مهسا أميني، الشابة البالغة من العمر 22 عامًا، أثناء احتجازها من قبل شرطة الأخلاق بسبب عدم ارتدائها الحجاب “بشكل صحيح”. أكد تحقيق للأمم المتحدة أن أميني تعرضت لـ “عنف جسدي” أدى إلى وفاتها.

تحولت هذه الاحتجاجات إلى حركة شعبية واسعة النطاق، تطالب بإسقاط النظام الديني، وتحقيق المساواة بين الجنسين، واحترام حقوق الإنسان. قامت قوات الأمن بقمع وحشي للاحتجاجات، مما أدى إلى مقتل أكثر من 500 شخص واعتقال أكثر من 22 ألف شخص. ومع ذلك، استمرت العديد من النساء في رفض ارتداء الحجاب، متحديات بذلك القيود المفروضة عليهن. تعتبر هذه الاحتجاجات بمثابة نقطة تحول في تاريخ إيران، حيث أظهرت قوة وعزيمة المرأة الإيرانية في المطالبة بحقوقها وحريتها.

احتجاجات الريال 2025-2026: أزمة اقتصادية متفاقمة

مع استمرار تشديد العقوبات الدولية وتأثيرها على الاقتصاد الإيراني، بالإضافة إلى حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل وانهيار قيمة الريال الإيراني ليصل إلى 1.4 مليون مقابل الدولار الواحد، اندلعت احتجاجات جديدة في عامي 2025 و 2026. ركزت هذه الاحتجاجات على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور مستوى المعيشة. ردت الحكومة بإغلاق شبكات الإنترنت والهاتف عن العالم الخارجي، في محاولة لقمع الاحتجاجات ومنع انتشار المعلومات.

الخلاصة: مستقبل الاحتجاجات في إيران

تُظهر الاحتجاجات في إيران عبر العقود الماضية أن هناك رغبة شعبية قوية في التغيير، سواء كان ذلك من خلال المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية، أو من خلال المطالبة بإسقاط النظام الديني. على الرغم من القمع الوحشي الذي واجهت به الحكومة هذه الاحتجاجات، إلا أنها استمرت في الظهور، مما يشير إلى أن المعارضة للنظام لا تزال قوية ومستمرة. من الصعب التنبؤ بمستقبل الاحتجاجات في إيران، ولكن من الواضح أنها ستظل جزءًا مهمًا من المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد. يتطلب فهم هذه الاحتجاجات تحليلًا دقيقًا للسياق التاريخي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي لإيران، بالإضافة إلى مراقبة التطورات الجارية عن كثب. يمكن للقراء المهتمين بمعرفة المزيد عن هذا الموضوع البحث عن “الحقوق المدنية في إيران” أو “الحركة الإصلاحية في إيران” للحصول على معلومات إضافية.

شاركها.