في خضم التوترات المتصاعدة في سوريا، سلط تقرير حديث صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش الضوء على فظائع مروعة ارتكبت في محافظة السويداء الجنوبية خلال اشتباكات عنيفة بين العشائر البدوية المدعومة من الحكومة والميليشيات الدرزية في يوليو/تموز الماضي. يركز التقرير على العنف الطائفي في السويداء، ويدعو إلى محاسبة المسؤولين عن مقتل المئات من المدنيين. هذا الحدث المأساوي يمثل انتكاسة خطيرة لجهود الاستقرار في البلاد، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الأقليات في سوريا.
تفاصيل الاشتباكات ونتائجها المأساوية
بدأت الأحداث في منتصف يوليو عندما اندلعت مواجهات بين الجماعات المسلحة التابعة للزعيم الروحي الدرزي الشيخ حكمت الهجري والعشائر البدوية المحلية. سرعان ما تصاعدت الاشتباكات، مما استدعى تدخل القوات الحكومية التي اتخذت موقفًا يبدو أنه يدعم البدو.
هذا التدخل أدى إلى مقتل مئات المدنيين، أغلبهم من الدروز، والعديد منهم على يد القوات الحكومية نفسها. وثقت هيومن رايتس ووتش 86 حالة “قتل غير قانوني على ما يبدو”، منها 67 من الدروز و19 من البدو. كما أشارت التقديرات إلى نزوح حوالي 187 ألف شخص بحلول نهاية الشهر، مما فاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.
انتهاكات متعددة الأطراف
لم يقتصر العنف في السويداء على القتال المباشر بين الأطراف المتنازعة، بل شمل سلسلة من الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف. فقد أفاد شهود عيان وناجون بأن القوات الحكومية دمرت الممتلكات المدنية وارتكبت عمليات قتل خارج نطاق القانون. في المقابل، اتُهمت الجماعات البدوية المسلحة المدعومة من الحكومة بنهب المنازل وخطف المدنيين. كما قامت الميليشيات الدرزية بمهاجمة واحتجاز المدنيين البدو في غارات انتقامية. هذه الدورة من العنف الانتقامي تزيد من تعقيد الوضع وتعيق أي محاولات لتحقيق المصالحة.
تداعيات العنف الطائفي على مستقبل سوريا
يمثل العنف الطائفي في السويداء تحديًا كبيرًا للرئيس بشار الأسد، الذي يكافح لاستعادة سلطة حكومته الكاملة في جميع أنحاء البلاد. كما أنه يثير مخاوف عميقة بين الأقليات السورية، التي تشكك في قدرة حكومته التي يقودها الإسلاميون على حماية حقوقها.
لطالما تمتعت الطائفة الدرزية بدرجة من الاستقلالية خلال الصراع السوري، حيث بقيت بعيدة إلى حد كبير عن القتال. ولكن مع تراجع نفوذ المعارضة، بدأت تواجه تحديات جديدة في ظل نظام يسعى إلى فرض سيطرته الكاملة. تشكلت مجموعة كبيرة من الميليشيات بقيادة الشيخ حكمت الهجري، وأنشأت منطقة شبه مستقلة في مساحات واسعة من محافظة السويداء، وهو ما قد يُنظر إليه على أنه تهديد لسلطة الدولة المركزية.
تحقيقات الحكومة ومطالب المساءلة
أعلنت الحكومة السورية عن إجراء تحقيقات في أعمال العنف الطائفي في السويداء، وقامت باعتقال عدد من عناصر القوات المسلحة والأمنية في سبتمبر. وقد كلفت هيئة حكومية بتقديم تقرير عن الانتهاكات خلال ثلاثة أشهر، لكن اللجنة طلبت تمديدًا لمدة شهرين لنشر نتائجها بحلول نهاية العام.
ومع ذلك، يبدو أن التحقيق لا يزال متعثرًا. لم تذكر دمشق متى سيتم نشر نتائج التقرير أو ما إذا كانت ستعقد محاكمات مماثلة لتلك المتعلقة بالعنف على طول الساحل السوري، حيث وقعت مذبحة ضد الأقلية العلوية في مارس. حتى الآن، لم تبدأ أي محاكمات بشأن اشتباكات السويداء.
الوضع الأمني المتدهور وتصعيد محتمل
بالتزامن مع التوترات في السويداء، تستعد دمشق لتصعيد عسكري محتمل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد، والتي تسيطر على مساحات واسعة من شمال شرق سوريا. وقد اندلعت اشتباكات شديدة بين الطرفين في حيين متنازع عليهما في مدينة حلب الشمالية. تعتبر قسد الحليف الرئيسي لواشنطن في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في سوريا.
أهمية المساءلة والعدالة الانتقالية
أكد آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، على أن مجرد اعتراف الحكومة بالفظائع ليس كافيًا. وأضاف: “بدون مساءلة على مستوى رفيع وإصلاح هيكلي لقطاع الأمن، ستستمر سوريا في مواجهة دورات من العنف والأعمال الانتقامية.” إن تحقيق العدالة الانتقالية، من خلال مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وتقديم التعويضات للضحايا، أمر ضروري لبناء مستقبل مستقر ومزدهر في سوريا. العدالة في السويداء ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل هي أيضًا شرط أساسي لتحقيق السلام الدائم.
في الختام، يمثل العنف الطائفي في السويداء مأساة إنسانية وتحديًا سياسيًا كبيرًا لسوريا. إن محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع، وإجراء إصلاحات هيكلية في قطاع الأمن، وتعزيز العدالة الانتقالية، هي خطوات حاسمة نحو بناء مستقبل أفضل للجميع. ندعو المجتمع الدولي إلى الضغط على الحكومة السورية لضمان تحقيق العدالة للضحايا ومنع تكرار هذه الأعمال المروعة. كما نشجع على الحوار والتصالح بين جميع الأطراف المعنية، بهدف تحقيق السلام والاستقرار في سوريا.
