تتصاعد المخاوف البيئية مع سعي الولايات المتحدة إلى استغلال النفط الفنزويلي الهائل، حيث يحذر الخبراء من أن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم عقود من الأضرار البيئية وزيادة التلوث الذي يساهم في الاحتباس الحراري. تأتي هذه التحذيرات في ظل الضغوط المتزايدة التي تمارسها واشنطن على فنزويلا، وتحديدًا بعد اعتقال شخصيات بارزة، وسعيها للسيطرة على صادرات النفط الفنزويلية، المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد. هذا التحرك يثير تساؤلات حول التوازن بين المصالح السياسية والاقتصادية والحفاظ على البيئة.
خطط واشنطن لاستغلال النفط الفنزويلي وتداعياتها المحتملة
تخطط إدارة ترامب لبيع ما بين 30 مليون و50 مليون برميل من النفط الخام الفنزويلي في جميع أنحاء العالم، مع الاحتفاظ بالعائدات في حسابات تسيطر عليها الولايات المتحدة. يهدف هذا الإجراء، بحسب الإدارة الأمريكية، إلى مساعدة كل من الفنزويليين والأمريكيين. ومع ذلك، يرى محللو الصناعة أن التوسع في إنتاج النفط الفنزويلي يتطلب استثمارات ضخمة وإصلاحات للبنية التحتية المتدهورة، مما يثير الشكوك حول مدى واقعية تنفيذ هذه الخطط.
يقول باشا مهدوي، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا: “لدينا مرافق تخزين تغرق حرفياً في الأرض، ورؤوس آبار مكسورة، وبنية تحتية متدهورة في جميع المجالات”. هذا يشير إلى أن مجرد الوصول إلى هذه الاحتياطيات لن يكون كافيًا، بل يتطلب جهودًا كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية.
فنزويلا: احتياطيات نفطية هائلة وتحديات بيئية متراكمة
تعتبر فنزويلا صاحبة أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، حيث تقدر بنحو 300 مليار برميل. لكن هذه الثروة النفطية تأتي مصحوبة بتحديات بيئية كبيرة. فالبلاد معرضة بالفعل بشكل كبير للتلوث النفطي وتصنف بين الدول الاستوائية ذات أسرع معدلات إزالة الغابات. بالإضافة إلى ذلك، تنتج فنزويلا خامًا ثقيلًا ينبعث منه تلوثًا أكبر بكثير من معظم أشكال النفط الأخرى، نظرًا لارتفاع تكلفة استخراجه وتكريره، مما يتطلب حرق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، بما في ذلك الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة القوية.
تفاقم الأضرار البيئية وزيادة الانبعاثات
يحذر الخبراء من أن إحياء صناعة النفط في فنزويلا سيؤدي إلى تعميق الأضرار البيئية القائمة، بما في ذلك الانسكابات وتسربات الغاز والبنية التحتية المتهالكة. من المتوقع أن يؤدي ارتفاع الإنتاج إلى زيادة الانبعاثات المناخية وزيادة مخاطر التسرب في النظم البيئية الهشة. وقد وثق مرصد البيئة السياسية الفنزويلي ما يقرب من 200 تسرب نفطي في الفترة من 2016 إلى 2021 لم يتم الإبلاغ عنها بشكل كافٍ من قبل السلطات.
تشير بيانات الأقمار الصناعية إلى أن فنزويلا فقدت ما يقرب من 2.6 مليون هكتار من الغطاء الشجري على مدار العقدين الماضيين، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الزراعة والتعدين والحرائق، مع مساهمة النشاط النفطي في فقدان الغابات في بعض المناطق المنتجة.
كثافة الانبعاثات والمخاطر المرتبطة بالنفط الثقيل
وفقًا لتقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية، فإن كثافة انبعاثات الميثان في عمليات النفط والغاز في فنزويلا أعلى بكثير من المتوسط العالمي. كما أن كثافة حرق الغاز أعلى بنحو 10 مرات من المستويات العالمية النموذجية. على الرغم من ذلك، تدعي الإدارة الأمريكية أن الشركات الأمريكية التي ستعمل على تجديد صناعة النفط في فنزويلا ستلتزم “بأعلى المعايير البيئية”، متوقعة تحسن الظروف البيئية مع زيادة الاستثمارات.
ومع ذلك، يرى دييغو ريفيرا ريفوتا، الباحث البارز في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن الخام الفنزويلي الكثيف واللزج يحتوي على نسبة عالية من الكبريت، مما يجعل استخراجه وتكريره أكثر صعوبة وتكلفة مقارنة بالنفط الخفيف. ويضيف: “إنها كثيفة للغاية، وقذرة للغاية، وصعبة للغاية. كما أنها شديدة الحموضة”.
التأثير المناخي المحتمل لزيادة الإنتاج
حتى الزيادة المتواضعة في إنتاج النفط الفنزويلي يمكن أن تحمل عواقب مناخية كبيرة. فزيادة الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميًا يمكن أن تضيف ما يقرب من 360 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بينما يمكن أن تؤدي زيادة الإنتاج إلى 1.5 مليون برميل يوميًا إلى زيادة الانبعاثات السنوية إلى نحو 550 مليون طن، وهو ما يعادل انبعاثات ما يقرب من نصف جميع المركبات التي تعمل بالبنزين في الولايات المتحدة.
الوضع البيئي الهش في فنزويلا
يشير أنطونيو دي ليزيو، أستاذ البيئة والباحث في جامعة فنزويلا المركزية، إلى أن استغلال النفط في البلاد يسير جنبًا إلى جنب مع الأضرار البيئية منذ عقود. ويضيف أن احتياطيات النفط الثقيل تقع في سهول هشة تتقاطع فيها أنهار بطيئة الحركة، مما يزيد من خطر تفاقم آثار التسربات. كما أن بحيرة ماراكايبو، التي تم حفرها لاستخراج النفط لأكثر من قرن، تعتبر واحدة من أكثر النظم البيئية تلوثًا بالنفط في العالم.
في الختام، يمثل سعي الولايات المتحدة لاستغلال النفط الفنزويلي تحديًا بيئيًا كبيرًا. على الرغم من الفوائد الاقتصادية المحتملة، يجب أن تؤخذ المخاطر البيئية في الاعتبار بشكل جدي، وأن يتم اتخاذ تدابير فعالة للحد من التلوث وحماية النظم البيئية الهشة. يتطلب ذلك استثمارات كبيرة في البنية التحتية، واعتماد تقنيات صديقة للبيئة، والالتزام بمعايير بيئية صارمة. إن مستقبل فنزويلا يعتمد على إيجاد توازن مستدام بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة.
