بكين (أ ف ب) – شهدت العلاقات بين كندا والصين تحولات جذرية على مدار العقود، بدءًا من الريادة الكندية في الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية وصولًا إلى التوترات الحالية. كانت كندا، في عهد بيير ترودو في أوائل السبعينيات، من بين الدول الغربية الأولى التي مدّت يدها نحو بكين، قبل ما يقرب من عقد من الزمن على الولايات المتحدة. وبعد نصف قرن، توترت العلاقات في عهد جاستن، نجل ترودو. خلفه رئيس الوزراء مارك كارني، موجود في بكين هذا الأسبوع في محاولة إعادة بناء العلاقات بعد سنوات من الجمود. هذا المقال يستعرض تطور هذه العلاقة المعقدة، مع التركيز على المحطات الرئيسية والتحديات التي واجهت البلدين.
بدايات واعدة: الاعتراف والتقارب (1970-1984)
في عام 1970، اتخذت كندا قرارًا تاريخيًا بالاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، مما أدى إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية وإنهاء العلاقات مع تايوان. كان هذا التحول استباقيًا، حيث سبق انتخابات الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1972 وزيارته للصين، والتي مهدت الطريق للاعتراف الأمريكي الرسمي في عام 1979. هذه الخطوة الكندية كانت بمثابة إشارة قوية إلى الرغبة في الانفتاح على الصين الشيوعية.
زيارة ترودو لماو تسي تونغ (1973)
في عام 1973، قام رئيس الوزراء الكندي بيير ترودو بزيارة مهمة إلى الصين، حيث التقى بالزعيم الصيني ماو تسي تونغ. كانت هذه أول زيارة يقوم بها زعيم كندي إلى الصين منذ عام 1949، عندما وصل الحزب الشيوعي إلى السلطة. اللقاء عزز بشكل كبير العلاقات الثنائية وفتح آفاقًا جديدة للتعاون.
أول زيارة رسمية لرئيس مجلس الدولة الصيني (1984)
في عام 1984، استقبلت كندا تشاو زيانغ، رئيس مجلس الدولة الصيني، في أول زيارة رسمية من نوعها. خلال الزيارة، جرت محادثات مثمرة بين الجانبين، وتوقعت الحكومتان اتفاقية استثمارية هامة. كما التقى تشاو بالرئيس الأمريكي رونالد ريجان في واشنطن خلال نفس الرحلة، مما يعكس أهمية الصين المتزايدة على الساحة الدولية.
تعزيز التعاون الاقتصادي والتحديات الداخلية (1994-2006)
شهدت فترة التسعينيات تعزيزًا للتعاون التجاري بين كندا والصين. في عام 1994، قاد رئيس الوزراء جان كريتيان وفدًا من قادة الأعمال الكنديين إلى الصين بهدف توسيع التجارة والاستثمار. على الرغم من الانتقادات الموجهة لسجل الصين في مجال حقوق الإنسان، وخاصةً في أعقاب احتجاجات ميدان تيانانمن عام 1989، استمر كريتيان في تبني نهج براغماتي يركز على تعزيز العلاقات الاقتصادية. التجارة الكندية الصينية شهدت نموًا ملحوظًا خلال هذه الفترة.
مع بداية الألفية الجديدة، بدأ التركيز على قضايا حقوق الإنسان في الصين يزداد أهمية في كندا. في عام 2006، اتخذ رئيس الوزراء الجديد ستيفن هاربر موقفًا أكثر صرامة تجاه الصين، وانتقد سجلها في مجال حقوق الإنسان. وقد أثار غضب بكين في عام 2007 من خلال استقبال الدالاي لاما، الزعيم الروحي للتبت. ومع ذلك، سرعان ما تحول هاربر إلى نهج أكثر اعتدالًا، وقام بزيارة الصين عدة مرات لتعزيز التجارة والاستثمار.
تصاعد التوترات والتدخل الانتخابي (2016-2024)
في عام 2016، أعلن رئيس الوزراء جاستن ترودو عن “حقبة جديدة” في العلاقات مع الصين خلال زيارته لبكين، مشيرًا إلى أن العلاقات كانت تفتقر إلى الاستقرار والانتظام. وقد التقى ترودو بالزعيم الصيني شي جين بينغ في عام 2017، في محاولة لتعزيز الحوار والتعاون.
لكن الأمور سرعان ما ساءت. في عام 2018، اعتقلت كندا منغ وانتشو، المديرة التنفيذية لشركة هواوي الصينية، بناءً على طلب الولايات المتحدة. أدى هذا الاعتقال إلى أزمة دبلوماسية حادة، وردت الصين باحتجاز الكنديين مايكل كوفريج ومايكل سبافور بتهمة التجسس. تم إطلاق سراح الثلاثة في عام 2021 بموجب اتفاق ثلاثي مع الولايات المتحدة.
حظر هواوي وتصاعد الخلافات
في عام 2022، حظرت كندا معدات هواوي من شبكات الجيل الخامس 5G، استجابةً لضغوط من الولايات المتحدة التي أعربت عن مخاوف بشأن التجسس الإلكتروني. اعتبرت الصين هذا الإجراء تدخلًا في شؤونها الداخلية وقمعًا للشركات الصينية.
في عام 2023، طردت كندا دبلوماسيًا صينيًا متهمًا بالتورط في محاولة لتخويف البرلماني مايكل تشونغ وعائلته. وردت الصين بطرد دبلوماسي كندي من شنغهاي. كما أطلقت كندا تحقيقًا في مزاعم التدخل الصيني في الانتخابات الكندية في عامي 2019 و2021. هذه الأحداث أدت إلى تدهور كبير في العلاقات الثنائية.
حرب الرسوم الجمركية ومحاولة إعادة الإعمار (2024-2025)
في عام 2024، فرضت كندا رسومًا جمركية بنسبة 100٪ على واردات السيارات الكهربائية الصينية، ورسومًا جمركية بنسبة 25٪ على الصلب والألمنيوم الصيني، في خطوة تتوافق مع الرسوم الجمركية الأمريكية. وردت الصين في مارس 2025 بفرض رسوم جمركية بنسبة 100٪ على منتجات الكانولا الكندية ورسوم جمركية بنسبة 25٪ على صادرات المأكولات البحرية ولحم الخنزير الكندي.
في ظل هذه الظروف الصعبة، تولى مارك كارني رئاسة الوزراء في مارس 2025، وشرع في مهمة إعادة بناء العلاقات مع الصين. التقى كارني بالزعيم الصيني شي جين بينغ في أكتوبر في قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية، ووصف الاجتماع بأنه “نقطة تحول” في العلاقات.
مستقبل العلاقات الكندية الصينية لا يزال غير مؤكد، لكن زيارة كارني الأخيرة تشير إلى رغبة في الحوار وإيجاد أرضية مشتركة. سيتطلب الأمر جهودًا متواصلة من كلا الجانبين لمعالجة القضايا العالقة وبناء علاقة أكثر استقرارًا وتوازنًا. التعاون في مجالات مثل التجارة والاستثمار وتغير المناخ يمكن أن يكون بمثابة نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة وتعزيز العلاقات الثنائية.
