في السنوات الأخيرة، شهد العالم اهتمامًا متزايدًا بموضوع الاستدامة البيئية وتأثير الأنشطة الاقتصادية على الغابات المطيرة، وخاصةً غابات الأمازون. وفي هذا السياق، يمثل “وقف الصويا” (Moratorium on Soy) في البرازيل نموذجًا فريدًا من التعاون بين القطاع الخاص والحكومة والمجتمع المدني، بهدف الحد من إزالة الغابات المرتبطة بإنتاج فول الصويا. لكن هذا النموذج يواجه الآن تحديًا كبيرًا، حيث أعلن كبار تجار الحبوب عن انسحابهم من الاتفاقية، مما يثير مخاوف بشأن مستقبل الغابات المطيرة وجهود مكافحة تغير المناخ.
تاريخ “وقف الصويا” وأهميته
بدأ “وقف الصويا” في عام 2006، كرد فعل على الضغوط المتزايدة من المنظمات البيئية والمشترين الدوليين الذين طالبوا بضمان عدم ارتباط واردات فول الصويا البرازيلي بإزالة الغابات في منطقة الأمازون. كان التعهد طوعيًا في البداية، حيث وافق كبار تجار الصويا على عدم شراء فول الصويا الذي تم زراعته على أراضٍ تم تطهيرها من الغابات بعد يوليو 2008.
لاحقًا، دعمت الحكومة البرازيلية هذا الالتزام، وأصبح جزءًا من الجهود الوطنية لمكافحة إزالة الغابات. اعتمد النظام على مراقبة الأقمار الصناعية وبيانات تسجيل المزارع الحكومية لتحديد عمليات إزالة الغابات الجديدة، وفرض قيود على شراء فول الصويا من المزارع المخالفة.
الانسحاب من الاتفاقية: ما الذي حدث؟
في مطلع هذا الأسبوع، أعلنت الرابطة البرازيلية لصناعات الزيوت النباتية (ABIOVE)، التي تمثل بعضًا من أكبر شركات تجارة الصويا في العالم مثل Cargill و Cofco International و Bunge و Amaggi و JBS، عن انسحابها من “وقف الصويا”.
يعزى هذا القرار إلى إلغاء الحوافز الضريبية للشركات المشاركة في الاتفاقية من قبل السلطات المحلية في ولاية ماتو جروسو، أكبر ولاية منتجة لفول الصويا في البرازيل. وتشير التقديرات إلى أن هذه الشركات كانت تحصل على حوالي 743.5 مليون دولار سنويًا كحوافز ضريبية.
ويرى المسؤولون في ABIOVE أن “وقف الصويا” قد حقق أهدافه على مدى العقدين الماضيين، وأن الشركات قادرة الآن على الالتزام بمعايير الاستدامة من خلال آليات أخرى. ومع ذلك، يخشى خبراء البيئة والمسؤولون الحكوميون أن يؤدي هذا الانسحاب إلى إضعاف الرقابة على إنتاج الصويا وزيادة خطر إزالة الغابات.
تأثير الانسحاب على غابات الأمازون ومكافحة تغير المناخ
تعتبر غابات الأمازون “رئة الكوكب”، حيث تلعب دورًا حاسمًا في تنظيم المناخ العالمي وامتصاص ثاني أكسيد الكربون. فقدان الغابات المطيرة يؤدي إلى تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري، وتعطيل الدورات البيئية، وفقدان التنوع البيولوجي.
تشير الدراسات إلى أن “وقف الصويا” ساهم بشكل كبير في الحد من إزالة الغابات في منطقة الأمازون. فبين عامي 2009 و 2022، انخفضت عمليات إزالة الغابات في البلديات التي تم تتبعها بموجب الوقف بنسبة 69%. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن إنهاء هذا الالتزام قد يؤدي إلى زيادة إزالة الغابات بنسبة تصل إلى 30% بحلول عام 2045، مما يقوض الأهداف البيئية للبرازيل.
بالإضافة إلى ذلك، يثير هذا الانسحاب تساؤلات حول التزام البرازيل بوعودها الدولية بإنهاء إزالة الغابات بحلول عام 2030، وهو هدف أكد عليه الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.
مستقبل إنتاج الصويا المستدام في البرازيل
على الرغم من المخاوف، يرى بعض المسؤولين أن الانسحاب من “وقف الصويا” لا يعني بالضرورة نهاية الإنتاج المستدام لفول الصويا في البرازيل. ويؤكدون أن الشركات لا تزال ملزمة بالقوانين البيئية البرازيلية، وأنها ستواجه عقوبات إذا اشترت فول الصويا الذي تم زراعته على أراضٍ تم تطهيرها بشكل غير قانوني.
كما يشيرون إلى أن الشركات يمكنها الاستمرار في الالتزام بمعايير الاستدامة من خلال مبادراتها الخاصة، والتعاون مع المنظمات البيئية، والاستثمار في تقنيات الزراعة المستدامة.
ومع ذلك، يرى خبراء البيئة أن الاعتماد على القوانين والالتزامات الطوعية قد لا يكون كافيًا لحماية غابات الأمازون. ويطالبون بتعزيز الرقابة الحكومية، وزيادة الشفافية في سلسلة التوريد، وتوفير حوافز للمزارعين لتبني ممارسات زراعية مستدامة.
الزراعة المستدامة والبدائل الممكنة
التحول نحو الزراعة المستدامة هو الحل الأمثل لضمان إنتاج الغذاء مع الحفاظ على البيئة. يتضمن ذلك استخدام تقنيات زراعية تقلل من الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الحشرية، وتحسين إدارة الأراضي والمياه، وتعزيز التنوع البيولوجي.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن استكشاف بدائل لزراعة فول الصويا في منطقة الأمازون، مثل تطوير محاصيل أخرى أكثر ملاءمة للبيئة المحلية، وتشجيع تربية الماشية المستدامة، وتعزيز السياحة البيئية.
في الختام، يمثل انسحاب كبار تجار الحبوب من “وقف الصويا” تهديدًا خطيرًا لغابات الأمازون وجهود مكافحة تغير المناخ. يتطلب هذا التحدي استجابة سريعة ومنسقة من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لضمان استمرار إنتاج فول الصويا بشكل مستدام ومسؤول. يجب أن يكون الحفاظ على التنوع البيولوجي وسلامة البيئة أولوية قصوى، وأن يتم اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية “رئة الكوكب” للأجيال القادمة.
