واشنطن – في خطوة تصعيدية جديدة، أعلنت الولايات المتحدة عن فرض جولة إضافية من العقوبات على إيران، تستهدف مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى متهمين بقمع الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد. تأتي هذه الإجراءات في ظل تصاعد التوترات بين البلدين، وتأكيد واشنطن على دعمها للشعب الإيراني في مطالبه بالحرية والعدالة.
تصعيد العقوبات الأمريكية ردًا على قمع الاحتجاجات
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية يوم الخميس عن هذه العقوبات الجديدة، والتي تشمل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، المتهم بالتحريض على العنف ضد المتظاهرين. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة رسالة واضحة من الإدارة الأمريكية بأنها لن تتسامح مع القمع الذي تمارسه الحكومة الإيرانية ضد معارضيها. بالإضافة إلى ذلك، استهدفت العقوبات 18 شخصًا وشركة متورطة في عمليات غسل أموال مرتبطة ببيع النفط الإيراني، وذلك عبر شبكة مصرفية موازية تتجنب العقوبات الدولية.
شبكة الظل المصرفية الإيرانية
تعتبر هذه الشبكة المصرفية الموازية، والتي تشمل مؤسسات مثل بنك ملي وبنك شهر، وسيلة لإيران للتحايل على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. من خلال هذه الشبكات، تتمكن إيران من إخفاء مصادر الأموال وتسهيل التجارة مع دول أخرى، مما يقلل من تأثير العقوبات على اقتصادها. تسعى الولايات المتحدة من خلال استهداف هذه الشبكات إلى قطع شريان الحياة المالي للنظام الإيراني، وزيادة الضغط عليه لوقف دعم الإرهاب والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسينت، أكد أن الولايات المتحدة “تقف بثبات خلف الشعب الإيراني في دعوته إلى الحرية والعدالة”، وأن الوزارة “ستستخدم كل أداة لاستهداف أولئك الذين يقفون وراء القمع الاستبدادي الذي يمارسه النظام ضد حقوق الإنسان”. هذه التصريحات تعكس التزام الإدارة الأمريكية بدعم الإصلاحات الديمقراطية في إيران، ومساءلة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.
جذور الاحتجاجات وتصاعد العنف
بدأت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر الماضي، كرد فعل على الانهيار المتسارع للعملة الإيرانية (الريال) وتدهور الأوضاع الاقتصادية. يعاني الاقتصاد الإيراني من ضغوط هائلة بسبب العقوبات الدولية، التي فرضت جزئيًا ردًا على برنامجها النووي المثير للجدل. في البداية، كانت الاحتجاجات سلمية، لكنها سرعان ما تصاعدت إلى أعمال عنف، بعد اتهامات من الحكومة الإيرانية بوجود “عناصر إرهابية” تقود الاحتجاجات وتستغلها لتحقيق أهداف خارجية.
وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، صرح بأن الاحتجاجات بدأت سلميًا وأن الحكومة تعاملت مع المتظاهرين وقادتهم بحذر. لكنه أضاف أن “عناصر إرهابية” تسللت إلى صفوف المتظاهرين بعد اليوم العاشر، وحولتها إلى أعمال عنف. هذه التصريحات تعكس محاولة الحكومة الإيرانية لتبرير استخدام القوة ضد المتظاهرين، وإلقاء اللوم على جهات خارجية في تأجيج العنف.
حملة “الضغط الأقصى” وتداعياتها
في فبراير الماضي، أعاد الرئيس دونالد ترامب فرض حملة “الضغط الأقصى” على إيران، بهدف إجبارها على التخلي عن برنامجها النووي. وشملت هذه الحملة سلسلة من العقوبات الاقتصادية، بالإضافة إلى ضربات عسكرية استهدفت ثلاث منشآت تخصيب إيرانية حيوية.
العقوبات على إيران أدت إلى تدهور كبير في الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم. ومع ذلك، لم تنجح هذه الحملة في تحقيق أهدافها المعلنة، بل أدت إلى تصاعد التوترات بين البلدين، وزيادة خطر اندلاع صراع عسكري.
فعالية العقوبات وآفاق المستقبل
على الرغم من أن العقوبات تمنع الأشخاص والشركات المستهدفة من الوصول إلى الممتلكات والأصول المالية في الولايات المتحدة، وتمنع الشركات والمواطنين الأمريكيين من التعامل معهم، إلا أن فعاليتها محدودة إلى حد ما. فالعديد من المسؤولين الإيرانيين المستهدفين لا يمتلكون أموالًا في المؤسسات الأمريكية، مما يقلل من تأثير العقوبات عليهم.
ومع ذلك، تظل العقوبات أداة مهمة في ترسانة السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يمكن أن تساهم في الضغط على النظام الإيراني، وتقييد قدرته على تمويل الأنشطة الإرهابية وتطوير الأسلحة النووية. يلوح في الأفق احتمال الانتقام الأمريكي لمقتل المتظاهرين في إيران، على الرغم من أن الرئيس ترامب أشار إلى احتمال تهدئة التصعيد.
في الختام، تمثل العقوبات على إيران تطورًا هامًا في العلاقة المعقدة بين البلدين. وبينما تهدف هذه العقوبات إلى الضغط على النظام الإيراني، إلا أنها قد تؤدي أيضًا إلى تصعيد التوترات وزيادة المعاناة الإنسانية. من الضروري أن تستمر الولايات المتحدة في العمل مع حلفائها الدوليين لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة الإيرانية، مع التأكيد على أهمية احترام حقوق الإنسان ودعم تطلعات الشعب الإيراني نحو الحرية والعدالة. نأمل أن يساهم هذا التحليل في فهم أعمق للأوضاع الراهنة، ونشجع القراء على متابعة آخر التطورات المتعلقة بهذا الموضوع الهام.
