في خضم التحولات العالمية المتسارعة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تبرز غواتيمالا كدولة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وتعزيز سيادتها، مع الالتزام بالقانون الدولي. صرح الرئيس برناندو أريفالو مؤخرًا بأن بلاده، بعد تجربة مماثلة شهدتها فنزويلا مع التدخل الأمريكي، تركز على تعزيز “علاقة جيدة” مع واشنطن، بالتوازي مع دعم الحلول السلمية للنزاعات. هذا التصريح يعكس وعيًا عميقًا بالتحديات التي تواجه المنطقة والعالم، ويضع غواتيمالا في موقع استراتيجي فريد.

غواتيمالا والولايات المتحدة: شراكة استراتيجية في ظل التحديات

أكد الرئيس أريفالو في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس أن العالم يشهد “مرحلة من الفوضى” حيث تنهار قواعد النظام القديم. ويطرح السؤال نفسه: كيف يمكن استعادة شعور بالنظام لضمان التعايش السلمي بين الدول؟ في هذا السياق، يرى أريفالو أن العلاقة مع الولايات المتحدة أصبحت “قوية واستراتيجية” لدرجة لا تجعل بلاده تفكر في سيناريوهات سلبية.

هذه العلاقة، التي أشادت بها وزارة الخارجية الأمريكية بقيادة ماركو روبيو خلال زيارة سابقة، ترتكز بشكل أساسي على التعاون في مجالات مكافحة تهريب المخدرات والسيطرة على الهجرة غير الشرعية. وتعتبر هذه القضايا ذات أهمية قصوى لكلا البلدين، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من تدفق المخدرات والمهاجرين إلى أراضيها، بينما تسعى غواتيمالا إلى تعزيز أمنها واستقرارها.

مكافحة المخدرات والهجرة: أولويات مشتركة

تعتبر مكافحة تهريب المخدرات حجر الزاوية في التعاون بين غواتيمالا والولايات المتحدة. يؤكد الرئيس أريفالو أن بلاده لا تتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد تجار المخدرات، وأنها لا تمتلك أي “علاقة تاريخية مع تهريب المخدرات أو ترتيب مع أي كارتل”. هذا الموقف القوي يعكس التزام غواتيمالا بمكافحة الجريمة المنظمة وتعزيز سيادة القانون.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب غواتيمالا دورًا مهمًا في إدارة تدفقات الهجرة من دول أمريكا الوسطى إلى الولايات المتحدة. وتتعاون مع واشنطن لتوفير الحماية للمهاجرين، ومكافحة الاتجار بالبشر، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة، مثل الفقر والعنف. وقد سمحت هذه العلاقة لغواتيمالا بالتفاوض على تخفيف الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، مما يعكس الثقة المتبادلة والاحترام المتبادل بين البلدين.

التوازن بين السيادة والتعاون الدولي

تسعى غواتيمالا، تحت قيادة الرئيس أريفالو، إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على سيادتها وتعزيز التعاون الدولي، خاصة مع الولايات المتحدة. وهذا التحدي ليس جديدًا على غواتيمالا، التي شهدت في الماضي تدخلات أجنبية، بما في ذلك الانقلاب الذي دعمته وكالة المخابرات المركزية عام 1954 ضد الرئيس جاكوبو أربينز.

ولد الرئيس أريفالو نفسه في أوروغواي، حيث كان والده، الرئيس السابق خوان خوسيه أريفالو، في المنفى. هذه الخلفية التاريخية تجعل أريفالو أكثر حساسية لقضايا السيادة والتدخل الأجنبي، وأكثر حرصًا على حماية مصالح بلاده.

دور القانون الدولي وحل النزاعات السلمي

يؤمن الرئيس أريفالو بأهمية القانون الدولي وحل النزاعات سلميًا. ويعتبر أن هذه المبادئ هي الأساس لبناء عالم أكثر استقرارًا وعدلاً. وقبل توليه منصبه، عمل أريفالو في مجال حل النزاعات على المستوى الدولي، مما أكسبه خبرة واسعة في هذا المجال.

وتشبه جهود غواتيمالا في هذا الصدد جهود المكسيك، جارتها، التي تسعى أيضًا إلى تحقيق توازن بين التعاون مع الولايات المتحدة والحفاظ على سيادتها.

التحديات الداخلية: المحكمة الدستورية والمدعي العام

لا تقتصر التحديات التي تواجه غواتيمالا على العلاقات الخارجية، بل تشمل أيضًا قضايا داخلية مهمة، مثل عملية اختيار قضاة المحكمة الدستورية والمدعي العام.

المدعي العام الحالي، كونسويلو بوراس، تخضع لتحقيقات من قبل حزب أريفالو منذ ما قبل فوزه في الانتخابات. وقد وصف المراقبون الدوليون تحقيقاتها بأنها ذات دوافع سياسية، ورفضت طلب أريفالو بالتنحي عندما تولى منصبه. وقد فرضت حكومة الولايات المتحدة عليها عقوبات بتهمة تقويض الديمقراطية من خلال عرقلة التحقيقات في الفساد.

مع بقاء 121 يومًا فقط على انتهاء فترة ولاية بوراس، يرى الرئيس أريفالو أن التطور الديمقراطي في البلاد على المحك. ويؤكد على أهمية وجود مؤسسات ديمقراطية قوية ومستقلة لضمان سيادة القانون وحماية حقوق المواطنين. غواتيمالا تتطلع إلى مستقبل ديمقراطي مزدهر، ولكن تحقيق هذا الهدف يتطلب معالجة التحديات الداخلية والخارجية بحكمة وحزم. العلاقات الدولية و السيادة الوطنية هما عنصران أساسيان في رؤية الرئيس أريفالو لغواتيمالا الجديدة.

شاركها.