في زيارة تاريخية لبكين، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن بداية فصل جديد في العلاقات بين كندا والصين. تأتي هذه الخطوة بعد سنوات من التوتر والجمود الدبلوماسي، وتسعى إلى إصلاح الجسور المقطوعة وتعزيز التعاون في مختلف المجالات. هذه الرحلة، التي بدأت أمس الخميس، تحمل في طياتها آمالاً كبيرة في إعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية. وتعتبر العلاقات الكندية الصينية محوراً رئيسياً في هذه التطورات، حيث يسعى الطرفان إلى تجاوز الخلافات الماضية والتركيز على المصالح المشتركة.

بداية حقبة جديدة: لقاءات قمة في بكين

التقى رئيس الوزراء كارني برئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، حيث أشاد الطرفان بالتحول الإيجابي في العلاقات. وأكد البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الكندي أن اللقاء ركز على استئناف الحوار في قضايا حيوية تشمل الاقتصاد، والمال، والطاقة، والأمن. هذا التجديد في المشاركة الثنائية يمثل خطوة مهمة نحو بناء الثقة المتبادلة وتجنب التصعيد في المستقبل.

تجاوز الخلافات السابقة

لم تخلُ السنوات الأخيرة من تحديات كبيرة في العلاقات الكندية الصينية. بدءًا من اعتقال المديرة المالية لشركة هواوي، منغ وانتشو، في كندا عام 2018 بناءً على طلب الولايات المتحدة، مروراً بالاعتقالات المتبادلة التي تلت ذلك، وصولاً إلى فرض الرسوم الجمركية المتبادلة على بعض السلع. كل هذه الأحداث ساهمت في تدهور العلاقات، ولكن يبدو أن الطرفين عازمان على وضع هذه الخلافات خلفهما.

دوافع كندا لتعزيز العلاقات مع الصين

تأتي مساعي كندا لتعزيز العلاقات مع الصين في توقيت حرج، خاصة مع ارتفاع الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على الواردات. تعتمد كندا بشكل كبير على صادراتها إلى الولايات المتحدة، حيث تمثل أكثر من 75% من إجمالي الصادرات الكندية. يهدف رئيس الوزراء كارني إلى تنويع الأسواق وتقليل هذا الاعتماد، وذلك من خلال مضاعفة صادرات كندا إلى بلدان أخرى خلال العقد القادم. لذا، فإن الصين تمثل سوقًا استراتيجية حيوية لتحقيق هذا الهدف.

لقاءات مع قطاعات الأعمال الصينية

خلال زيارته، عقد رئيس الوزراء كارني اجتماعات مع عدد من الشركات الصينية الرائدة، بما في ذلك عملاق التجارة الإلكترونية علي بابا، وشركة النفط الوطنية الصينية، وشركة CATL المتخصصة في إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية. تهدف هذه اللقاءات إلى استكشاف فرص التعاون والاستثمار في مختلف القطاعات، وتعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين. كما أنها تعكس رغبة كندا في جذب الاستثمارات الصينية إلى أراضيها.

ردود الفعل الصينية وتطلعاتها

رحبت الحكومة الصينية بزيارة رئيس الوزراء كارني، واعتبرتها نقطة تحول إيجابية في العلاقات. أعرب رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ عن ترحيبه بالمزيد من الشركات الكندية للاستثمار في الصين، وأكد على أهمية توفير بيئة أعمال عادلة وغير تمييزية للشركات الصينية التي تستثمر في كندا. وتأمل الصين أن تساهم هذه الزيارة في تخفيف التوترات التجارية وتعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك.

استقلالية السياسة الخارجية

تشير بعض التحليلات إلى أن الصين تسعى إلى تشجيع كندا ودول أخرى على اتباع سياسة خارجية أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة. فالرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على حلفائها، دفعت الصين إلى البحث عن بدائل وتعزيز علاقاتها مع دول أخرى. وتعتبر كندا شريكًا تجاريًا واقتصاديًا مهمًا للصين، ويمكن أن تلعب دورًا حيويًا في تحقيق هذا الهدف.

مستقبل العلاقات الكندية الصينية

من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء كارني بالرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الجمعة، في لقاء يُتوقع أن يكون حاسمًا في تحديد مسار العلاقات الثنائية في المستقبل. تعتبر هذه الزيارة فرصة تاريخية لكندا والصين لإعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون في مختلف المجالات. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل الخلافات حول حقوق الإنسان، والأمن السيبراني، والنزاعات التجارية. يتطلب تجاوز هذه التحديات جهودًا متبادلة وحوارًا بناءً من كلا الطرفين. إن نجاح هذه الزيارة في تحسين العلاقات الكندية الصينية سيكون له تأثير إيجابي على الاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم. كما أن تعزيز التعاون في مجالات مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا يمكن أن يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن استئناف الحوار في القضايا الأمنية يمكن أن يساعد في منع سوء الفهم والتصعيد. وتبقى التجارة بين كندا والصين محركاً رئيسياً للعلاقات، مع إمكانية نموها بشكل كبير في السنوات القادمة.

ختاماً، يمكن القول أن زيارة رئيس الوزراء كارني إلى بكين تمثل بداية واعدة لفصل جديد في العلاقات الكندية الصينية. ومع ذلك، فإن تحقيق الاستقرار والازدهار في هذه العلاقات يتطلب التزامًا مستمرًا بالحوار والتعاون من كلا الطرفين. من المهم متابعة التطورات القادمة وتقييم تأثير هذه الزيارة على المدى الطويل.

شاركها.