في تطور سياسي هام، أكد المجلس الدستوري في جمهورية أفريقيا الوسطى فوز الرئيس فوستين أركانج تواديرا بولاية رئاسية ثالثة، وذلك بعد انتخابات رئاسية شهدتها البلاد في الشهر الماضي. هذا الإعلان، الذي جاء يوم الاثنين، يضع حداً للطعون المقدمة من المعارضة والتي اتهمت السلطات بالتلاعب بنتائج التصويت. وتأتي هذه الانتخابات في سياق معقد تشهده البلاد، حيث تسعى إلى تحقيق الاستقرار بعد سنوات من الصراع.

فوز تواديرا والطعون الانتخابية

أعلن المجلس الدستوري أن الرئيس تواديرا حصل على 77.9% من الأصوات، وهي نسبة قريبة من النتائج الأولية التي أعلنتها الهيئة الوطنية للانتخابات في وقت سابق من هذا الشهر. بينما حصل منافسه الرئيسي، أنيسيت جورج دولوغويل، على 13.1% من الأصوات. وقد رفض المجلس الدستوري الطعن الذي قدمه دولوغويل، معتبراً أنه يفتقر إلى الأدلة الكافية لإثبات وجود مخالفات جوهرية تؤثر على النتيجة النهائية.

وقد أعرب دولوغويل عن رفضه للنتائج، متهماً الهيئة الوطنية للانتخابات بالفساد والتلاعب، ومؤكداً أنه الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات. وقد أثار هذا الرفض قلقاً بشأن إمكانية تصعيد التوترات السياسية في البلاد، خاصة وأن المعارضة كانت قد نددت بالفعل بـ “البيئة السياسية غير المتكافئة” التي أجريت فيها الانتخابات. الانتخابات في أفريقيا الوسطى كانت الأولى من نوعها حيث صوت المواطنون على جميع مستويات الحكومة في نفس الوقت.

ردود فعل المعارضة وقبول الحكم

على الرغم من رفضه للنتائج، أعلن حزب اتحاد تجديد أفريقيا الوسطى، المنتمي إلى المعارضة، أنه سيتقبل حكم المجلس الدستوري “بروح المسؤولية الجمهورية”. ومع ذلك، أكد الحزب أن نضاله من أجل الديمقراطية والشفافية في العملية الانتخابية سيستمر.

وقال إيف سانغامي، المتحدث باسم دولوغويل، في تصريح له: “معركتنا لم تكن قط فوضى. إنها تتعلق بالحقيقة الانتخابية وسيادة الشعب واحترام القواعد الديمقراطية.” هذا التصريح يعكس إصرار المعارضة على المطالبة بحقوقها المشروعة في تمثيل الشعب والمشاركة في الحكم.

السياق السياسي والأمني في جمهورية أفريقيا الوسطى

يعتبر فوز الرئيس تواديرا بولاية ثالثة تتويجاً لجهود قام بها لتعزيز سلطته داخل مؤسسات الدولة. ففي عام 2023، تمت الموافقة على تعديل دستوري مثير للجدل ألغى حدود الولاية الرئاسية، مما فتح الباب أمام تواديرا للترشح لولاية ثالثة. هذا التعديل الدستوري أثار انتقادات واسعة من المعارضة والمجتمع المدني، الذين اعتبروه محاولة لتقويض الديمقراطية وتكريس الحكم الفردي.

تشهد جمهورية أفريقيا الوسطى حالة من عدم الاستقرار منذ عام 2013، عندما استولى متمردون، معظمهم من المسلمين، على السلطة وأجبروا الرئيس فرانسوا بوزيزيه على التنحي. وقد أدى هذا الصراع إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في البلاد، وتسبب في نزوح مئات الآلاف من الأشخاص. على الرغم من اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في عام 2019 بين الحكومة و14 جماعة مسلحة، إلا أن الوضع الأمني لا يزال هشاً، حيث انسحبت ست من هذه الجماعات من الاتفاق.

دور فاغنر وتأثيره على المشهد السياسي

لعبت مجموعة فاغنر، وهي شركة عسكرية روسية خاصة، دوراً مهماً في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث قدمت دعماً أمنياً للحكومة. وقد ساهمت فاغنر في استعادة بعض الاستقرار في البلاد، لكنها اتهمت أيضاً بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

في الآونة الأخيرة، تصاعدت التوترات بين الرئيس تواديرا وروسيا، حيث طالبت موسكو باستبدال فاغنر بفيلق أفريقيا، وهو تشكيل عسكري روسي آخر. هذا التطور يعكس التنافس المتزايد بين القوى الخارجية على النفوذ في جمهورية أفريقيا الوسطى. الأمن في أفريقيا الوسطى يظل قضية رئيسية تؤثر على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

التحديات المستقبلية والآفاق الممكنة

مع تنصيب الرئيس تواديرا في 30 مارس، تواجه جمهورية أفريقيا الوسطى تحديات كبيرة في سبيل تحقيق الاستقرار والتنمية. من بين هذه التحديات، معالجة الأزمة الإنسانية، وتعزيز المصالحة الوطنية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ومكافحة الفساد.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة أن تتعامل بحذر مع التوترات السياسية المتصاعدة، وأن تحترم حقوق المعارضة في التعبير عن آرائها والمشاركة في الحياة السياسية. الاستقرار السياسي في أفريقيا الوسطى يتطلب حواراً شاملاً بين جميع الأطراف المعنية، وإيجاد حلول توافقية للقضايا الخلافية.

وفي الختام، يمثل فوز الرئيس تواديرا بولاية ثالثة نقطة تحول هامة في تاريخ جمهورية أفريقيا الوسطى. ومع ذلك، فإن مستقبل البلاد لا يزال غير مؤكد، ويتطلب جهوداً مضاعفة من جميع الأطراف لتحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار. ندعو جميع الأطراف إلى العمل معاً من أجل بناء مستقبل أفضل لجمهورية أفريقيا الوسطى وشعبها.

شاركها.