إيفا شلوس، الناجية من أوشفيتز وأخت آن فرانك، رمز الأمل والصمود، رحلت عن عالمنا عن عمر يناهز 96 عامًا. تركت وراءها إرثًا عظيمًا من التوعية بمخاطر التعصب والكراهية، وكرست حياتها لتعليم الأجيال القادمة دروسًا مستفادة من المحرقة، تلك الفترة المظلمة في تاريخ البشرية. وفاتها تمثل خسارة فادحة للمجتمع، خاصةً مع تزايد أهمية صوتها في عالمنا اليوم.
حياة إيفا شلوس: من فيينا إلى لندن
ولدت إيفا شلوس باسم إيفا جيرينجر في فيينا بالنمسا عام 1929. اضطرت هي وعائلتها إلى الفرار إلى أمستردام بعد ضم ألمانيا النازية للنمسا، في محاولة يائسة للنجاة من بطش النظام النازي. في أمستردام، نشأت صداقة قوية بين إيفا وشلوس، وبين الفتاة اليهودية آن فرانك، التي أصبحت مذكراتها فيما بعد من أشهر الوثائق التي تسجل فظائع تلك الحقبة.
سنوات الاختباء والاعتقال في أوشفيتز
مثل عائلة فرانك، اضطرت عائلة إيفا إلى الاختباء لمدة عامين كاملين لتجنب الاعتقال من قبل القوات النازية التي احتلت هولندا. لكن لسوء الحظ، لم ينجح هذا الاختباء طويلاً، فقد تعرضوا للخيانة وتم اعتقالهم، ليتم نقلهم بعد ذلك إلى معسكر الموت سيئ السمعة، أوشفيتز.
كانت تجربة أوشفيتز مروعة بكل المقاييس، حيث شهدت إيفا ويلات الحرب وفقدان الأبرياء. ومع ذلك، تمكنت هي ووالدتها فريتزي من النجاة، بينما لقي والدها إريك وشقيقها هاينز حتفهما في المعسكر. هذه الخسارة الفادحة تركت ندوبًا عميقة في قلب إيفا، لكنها لم تمنعها من مواصلة حياتها ومهمتها النبيلة.
الاستقرار في بريطانيا وتكريس الحياة للتوعية
بعد انتهاء الحرب، انتقلت إيفا إلى بريطانيا وتزوجت من تسفي شلوس، وهو لاجئ يهودي ألماني. استقرت في لندن وبدأت حياة جديدة، لكنها لم تنسَ أبدًا ما حدث لها ولعائلتها. في عام 1953، تزوجت والدتها من أوتو فرانك، والد آن فرانك وآخر فرد من عائلته نجا من المحرقة.
لم تتحدث إيفا شلوس عن تجربتها المريرة علنًا لسنوات طويلة، معتقدةً أن الصدمة العميقة قد أبعدتها عن القدرة على التواصل مع الآخرين. ولكن بعد إلقاء كلمة مؤثرة في افتتاح معرض آن فرانك في لندن عام 1986، قررت أن تكرس حياتها لتعليم الأجيال الشابة عن أهوال الإبادة الجماعية النازية.
إرث إيفا شلوس: صوت ضد التعصب والكراهية
على مدى العقود التالية، سافرت إيفا شلوس إلى جميع أنحاء العالم، وألقت المحاضرات في المدارس والسجون والمؤتمرات الدولية. شاركت قصتها المؤلمة في كتب عديدة، بما في ذلك “قصة إيفا: حكاية ناجية من أخت آن فرانك”، والتي ساهمت في إلهام الكثيرين.
لم تتوقف حملتها ضد التعصب والكراهية حتى بلغت من العمر التسعينيات. ففي عام 2019، سافرت إلى كاليفورنيا للقاء مراهقين قاموا بأداء التحية النازية في حفلة مدرسية، وفي العام التالي، شاركت في حملة للضغط على فيسبوك لإزالة المواد التي تنكر الهولوكوست من منصته. كانت إيفا ترى أن التعليم هو السلاح الأقوى لمواجهة التطرف، وأن البدء في سن مبكرة هو المفتاح لضمان مستقبل أفضل.
كلمات إيفا الأخيرة ودعوة للسلام
في عام 2024، صرحت إيفا شلوس بكلمات مؤثرة: “يجب ألا ننسى أبدًا العواقب الوخيمة لمعاملة الناس على أنهم ‘آخرون’. نحن بحاجة إلى احترام أعراق الجميع ودياناتهم. نحن بحاجة إلى التعايش مع اختلافاتنا. والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي من خلال التعليم، وكلما كنا أصغر سنًا، كلما كان ذلك أفضل.”
تذكرها عائلتها بأنها “امرأة رائعة: إحدى الناجيات من أوشفيتز، ومعلمة مخلصة للهولوكوست، لا تكل في عملها من أجل الذكرى والتفاهم والسلام.” متمنين أن يستمر إرثها الملهم في دعم جهود السلام والتسامح في جميع أنحاء العالم من خلال أعمالها ومذكراتها وقصصها المؤثرة.
خاتمة
رحيل إيفا شلوس يمثل خسارة كبيرة للعالم، لكن إرثها سيظل حيًا في قلوب وعقول أولئك الذين لمسوها بقصتها. من خلال التوعية بفظائع المحرقة، والوقوف بحزم ضد التعصب والكراهية، يمكننا جميعًا المساهمة في بناء عالم أكثر عدلاً وسلمًا. دعونا نلتزم بتذكر ضحايا الإبادة الجماعية، والتأكد من أن هذه الفظائع لن تتكرر أبدًا. لنبقى مخلصين لرسالة إيفا وآن فرانك، ولنعمل معًا من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
