معركة قاعات المحاكم: شركات التواصل الاجتماعي تواجه اتهامات بالمسؤولية عن أضرار الصحة العقلية للأطفال
للمرة الأولى، تجد عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي أنفسهم في قفص الاتهام، حيث يواجهون دعاوى قضائية تاريخية تسعى لمحاسبتهم على التأثير السلبي لتصميمات منصاتهم على الصحة العقلية للأطفال. على مدى سنوات، نفت هذه الشركات باستمرار الاتهامات بأن خيارات التصميم المتعمدة، والتي تهدف إلى زيادة مدة بقاء المستخدمين، تسبب الإدمان وتعرّض الأطفال للخطر. الآن، تتجه هذه المعركة من ساحات النقاش الرقمية إلى قاعات المحاكم الفيدرالية وحكومية عبر الولايات المتحدة.
تأتـي هذه الدعاوى القضائية، التي رفعـتها مناطق تعليمية، وحكومات محلية وولائية، وحتى الحكومة الفيدرالية، بالإضافة إلى آلاف العائلات المتضررة، تتويجاً لسنوات من التدقيق المكثف حول سلامة الأطفال على هذه المنصات. الهدف هو تحديد ما إذا كانت التصاميم التي تجعل الأطفال مدمنين، وتقديم محتوى يؤدي إلى الاكتئاب، واضطرابات الأكل، وحتى الانتحار، تقع ضمن مسؤولية هذه الشركات.
مواجهة تاريخية في قاعات المحاكم: تشابه مع قضايا التبغ والمواد الأفيونية
يشير الخبراء إلى أن هذه المعركة القانونية ضد شركات وسائل التواصل الاجتماعي تذكرنا إلى حد كبير بالقضايا التي رُفعت ضد شركات التبغ وأسواق المواد الأفيونية. ويأمل المدعون أن تؤدي هذه الدعاوى إلى نتائج مشابهة لتلك التي تحققت ضد مصنعي السجائر وشركات الأدوية والصيدليات والموزعين، حيث تم تحميلهم المسؤولية عن الأضرار الصحية الجسيمة.
إذا ما نجحت هذه الدعاوى، فقد تتحدى بعض الحصانات القانونية التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا، مثل الدرع الواقي بموجب التعديل الأول للدستور، والمادة 230 من قانون آداب الاتصالات لعام 1996، التي تحمي هذه الشركات من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون. فضلاً عن ذلك، يمكن أن تكون النتائج مكلفة للغاية في شكل رسوم قانونية باهظة وتسويات مالية ضخمة، بل وقد تجبر الشركات على إعادة النظر في نماذج عملها، مما قد يؤدي إلى خسارة المستخدمين والإيرادات الإعلانية.
قضية لوس أنجلوس: التركيز على الإدمان وتأثيره على الشباب
في قاعة محكمة لوس أنجلوس، بدأت محاكمة تاريخية تحمل آمال الآلاف من العائلات، حيث بدأ المحلفون في النظر في الدعوى التي تسعى لتحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية الأضرار التي لحقت بالأطفال. تتنافس في هذه المحاكمة روايات متضاربة بين المدعين والمتهمين الرئيسيين، وهما شركتا Meta و YouTube.
تتمحور القضية حول شاب يبلغ من العمر 20 عامًا، معروف فقط بالأحرف الأولى “KGM”، والذي قد تحدد قضيته مصير آلاف الدعاوى القضائية المماثلة. تم اختيار قضيته، إلى جانب قضايا مدعين آخرين، لتكون “محاكمات رائدة”، وهي بمثابة قضايا اختبار لكلا الطرفين لقياس مدى فعالية حججهما أمام هيئة المحلفين.
صرح ماثيو بيرجمان، من مركز قانون ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يمثل أكثر من 1000 مدعٍ: “هذه نقطة تحول هائلة في عالم وسائل التواصل الاجتماعي. عندما بدأنا العمل على هذه القضايا قبل أربع سنوات، لم يجرؤ أحد على تخيل وصولنا إلى مرحلة المحاكمة. والآن، نحن نقدم قضايانا أمام هيئة محلفين عادلة ومحايدة.”
خلال المحاكمة، أدلى مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، بشهادته، متمسكًا بالروايات السابقة للشركة. عندما سُئل عما إذا كان الناس يميلون إلى استخدام شيء ما أكثر إذا كان يسبب الإدمان، أجاب زوكربيرج: “لست متأكدًا مما يمكنني قوله في هذا الشأن. لا أعتقد أن هذا ينطبق هنا.”
نيو مكسيكو تتحدى Meta: قضية الاستغلال الجنسي للأطفال
في ولاية نيو مكسيكو، تقدم فريق بقيادة المدعي العام للولاية، راؤول توريز، بدعوى قضائية ضد Meta في عام 2023. نجح الفريق في بناء قضيته من خلال التظاهر بأنهم أطفال على وسائل التواصل الاجتماعي، وتوثيق ما يتعرضون له من إغراءات جنسية، بالإضافة إلى طريقة استجابة Meta لتلك التجاوزات.
يطالب توريز بتطبيق Meta لعمليات تحقق أكثر فعالية من العمر، وبذل المزيد من الجهد لإزالة المحتوى الضار من منصاتها. كما يسعى إلى إدخال تعديلات على الخوارزميات التي تقدم مواد ضارة، وانتقد التشفير الشامل الذي يعوق مراقبة الاتصالات مع الأطفال لأغراض الحماية.
خلال البيان الافتتاحي، أوضح محامي الادعاء، دونالد ميجليوري، أن Meta شوهت حقيقة سلامة منصاتها، واختارت تصميم خوارزمياتها لإبقاء الشباب متصلين بالإنترنت، مع العلم بأنهم معرضون لخطر الاستغلال الجنسي. وقال ميجليوري لهيئة المحلفين: “علمت Meta بوضوح أن سلامة الشباب لم تكن أولوية مؤسسية، بل كانت أقل أهمية من النمو والمشاركة”.
المناطق التعليمية تدخل المعركة القضائية
من المتوقع أن تبدأ محاكمة أخرى هذا الصيف بين المناطق التعليمية وشركات التواصل الاجتماعي أمام قاضية المقاطعة الأمريكية إيفون جونزاليس روجرز في أوكلاند، كاليفورنيا. تسمى هذه القضية، والتي تُعرف بأنها دعوى قضائية متعددة المقاطعات، ست مناطق تعليمية عامة من جميع أنحاء البلاد كقضايا رائدة.
جين كونروي، المحامية في فريق المدعين، والتي كانت أيضًا محامية في القضايا المرفوعة ضد شركات الأدوية بسبب وباء المواد الأفيونية، ترى أن حجر الزاوية في كلتا الحالتين متشابه: الإدمان. وتوضح: “في حالة وسائل التواصل الاجتماعي، نركز في المقام الأول على الأطفال وأدمغتهم النامية، وكيف يشكل الإدمان تهديدًا لرفاهيتهم. لقد أثبتنا في قضايا المواد الأفيونية أن المصنعين والموزعين والصيدليات كانوا على علم بالمخاطر، وقللوا من شأنها، وزادوا من المعروض، ومات الناس. والأمر مشابه هنا إلى حد كبير. كانت هذه الشركات على علم بالمخاطر، وتجاهلتها، وضاعفت جهودها لتحقيق أرباح من المعلنين على حساب سلامة الأطفال. وتعرض الأطفال للأذى ومات الأطفال.”
الشكوك حول مصطلح “الإدمان” والمسار المستقبلي
تشكك شركات التواصل الاجتماعي في أن منتجاتها تسبب الإدمان. وفي استجواب خلال محاكمة لوس أنجلوس، أشار زوكربيرج إلى أنه لا يزال يرى أن مجموعة العمل العلمي الحالية لم تثبت أن وسائل التواصل الاجتماعي تسبب أضرارًا للصحة العقلية.
يتساءل بعض الباحثين عما إذا كان “الإدمان” هو المصطلح الأنسب لوصف الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يتم الاعتراف به كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية. ومع ذلك، تواجه الشركات معارضة متزايدة بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة العقلية للأطفال.
في ظل الطعون المحتملة ومناقشات التسوية، قد تستغرق هذه القضايا سنوات لحلها. وعلى النقيض من أوروبا وأستراليا، فإن تنظيم التكنولوجيا في الولايات المتحدة يتقدم ببطء. يأمل الآباء والمسؤولون التعليميون وأصحاب المصلحة الآخرون بشكل متزايد أن يبذل المشرعون جهودًا أكبر، لكن الضغط المستمر من شركات التكنولوجيا الكبرى، وتحديات التنفيذ، والخلافات بين المشرعين حول أفضل السبل لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يبطئ التقدم الملموس.
