في خضم نقاشات سياسية واجتماعية متصاعدة، شهدت المملكة المتحدة انخفاضًا ملحوظًا في صافي الهجرة، وهو ما أثار ترحيبًا حذرًا من الحكومة البريطانية. أظهرت الأرقام الصادرة مؤخرًا انخفاضًا بنسبة 69% في صافي الهجرة خلال العام المنتهي في يونيو 2025، ليصل إلى 204,000 شخص، وهو أدنى مستوى له منذ أربع سنوات. هذا التطور يأتي في وقت تسعى فيه الحكومة إلى معالجة المخاوف المتعلقة بالهجرة، وتحديدًا تلك المرتبطة بالهجرة غير الشرعية عبر القناة الإنجليزية.

انخفاض حاد في صافي الهجرة: الأسباب والتداعيات

يعزى هذا الانخفاض الكبير في صافي الهجرة بشكل رئيسي إلى عاملين أساسيين: انخفاض عدد القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي للعمل أو الدراسة، وزيادة عدد الأشخاص الذين يغادرون المملكة المتحدة. في العام المنتهي بشهر يونيو، سجل عدد المهاجرين طويل الأجل 898 ألفًا، مقارنةً بحوالي 1.3 مليون خلال نفس الفترة من العام السابق.

هذا التراجع يعتبر بمثابة نقطة تحول بعد أن بلغ صافي الهجرة في المملكة المتحدة مستوى قياسيًا بلغ 944,000 في العام المنتهي بشهر مارس 2023. الأرقام القياسية السابقة كانت نتيجة لعدة عوامل مجتمعة، بما في ذلك رفع القيود المفروضة في أعقاب جائحة كوفيد-19، ونظام الهجرة الجديد الذي تم تطبيقه بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، وتدفق اللاجئين من أوكرانيا، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من القادمين من هونغ كونغ بسبب التوترات السياسية هناك.

سياسات حكومية أكثر صرامة ودورها في الانخفاض

لم يكن هذا الانخفاض مجرد نتيجة للظروف الخارجية، بل جاء أيضًا نتيجة لتطبيق سياسات هجرة أكثر صرامة من قبل كل من حكومة المحافظين السابقة وحكومة حزب العمال الحالية التي تولت السلطة في يوليو 2024.

شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تقليل أعداد المهاجرين واللاجئين. من بين هذه الإجراءات، خطط لتشديد نظام اللجوء من خلال تعديلات شاملة، بالإضافة إلى تغييرات في قواعد الهجرة تهدف إلى الحد من الإعفاءات وتأشيرات العمل. وتضمنت هذه التغييرات إنهاء التوظيف في الخارج للعاملين في مجال الرعاية وزيادة الحد الأدنى للرواتب السنوية المطلوبة لتأشيرات العمال المهرة إلى 41,700 جنيه إسترليني (حوالي 55,000 دولار أمريكي).

ردود الفعل الرسمية ومخاوف مستمرة بشأن الهجرة غير الشرعية

استقبلت وزيرة الداخلية، شبانة محمود، هذه الأرقام بترحيب، لكنها أكدت على الحاجة إلى مزيد من الإجراءات. وشددت على أن حجم ووتيرة الهجرة لا تزال تفرض ضغوطًا كبيرة على المجتمعات المحلية، وبالتالي يجب على الحكومة أن تبذل المزيد من الجهود.

على الرغم من الانخفاض العام في الهجرة إلى المملكة المتحدة، إلا أن قضية الهجرة غير الشرعية عبر القناة الإنجليزية لا تزال في صدارة اهتمامات الجمهور والحكومة. فقد وصل عدد طالبي اللجوء الذين عبروا القناة الإنجليزية هذا العام إلى ما يقرب من 40,000 شخص، وهو ما يمثل جزءًا صغيرًا من إجمالي عدد المهاجرين، ولكنه أثار جدلاً سياسيًا واسعًا.

التوازن بين التحكم في الهجرة وتعزيز النمو الاقتصادي

يعتقد الخبراء أن الإصلاحات الأخيرة قد تؤدي إلى مزيد من الانخفاض في أعداد المهاجرين. ومع ذلك، حذرت مارلي موريس من معهد أبحاث السياسة العامة من أن الحكومة يجب أن تتعامل بحذر مع هذه الإصلاحات. وأوضحت أن تحقيق التوازن بين الحاجة إلى إدارة الهجرة وبين أهداف أخرى مهمة، مثل تعزيز النمو الاقتصادي ودعم بناء المنازل وحماية الخدمات العامة، سيكون أمرًا بالغ الأهمية.

بالإضافة إلى ذلك، تشير الأرقام إلى ارتفاع بنسبة 13٪ في عدد طالبي اللجوء الذين يتم إيواؤهم في الفنادق ليصل إلى 36,273 في سبتمبر مقارنة بيونيو. هذا الارتفاع يمثل تحديًا للحكومة، التي ملزمة قانونًا بإيواء طالبي اللجوء، ولكنه أثار أيضًا انتقادات من قبل البعض، وزاد من حدة المشاعر المعارضة للهجرة.

مستقبل سياسات الهجرة في المملكة المتحدة

تعهد رئيس الوزراء كير ستارمر بإنهاء استخدام الفنادق لإيواء طالبي اللجوء بحلول عام 2029، بالإضافة إلى خفض عدد الوافدين عبر القوارب الصغيرة. هذه التصريحات تعكس التزام الحكومة الحالية بمعالجة قضية الهجرة بشكل حاسم.

من المتوقع أن تستمر الحكومة في تطبيق سياسات أكثر صرامة للحد من الهجرة، وتحديدًا الهجرة غير الشرعية. ومع ذلك، سيكون من الضروري أيضًا مراعاة الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه السياسات، والتأكد من أنها لا تعيق النمو الاقتصادي أو تؤثر سلبًا على الخدمات العامة. الهدف النهائي هو إيجاد نظام هجرة فعال وعادل يلبي احتياجات المملكة المتحدة ويحافظ على تماسكها المجتمعي. إن فهم ديناميكيات الهجرة غير الشرعية وأثرها على المجتمع أمر بالغ الأهمية في تشكيل سياسات مستقبلية مستدامة.

في الختام، يمثل الانخفاض المسجل في صافي الهجرة تطورًا هامًا في سياق النقاش الدائر حول الهجرة في المملكة المتحدة. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه الحكومة، وعلى رأسها معالجة قضية الهجرة غير الشرعية وإيجاد توازن بين التحكم في الهجرة وتعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي. يجب على الحكومة أن تواصل العمل بشكل وثيق مع الخبراء وأصحاب المصلحة لضمان أن سياسات الهجرة الخاصة بها تستند إلى أدلة قوية وتلبي احتياجات المملكة المتحدة على المدى الطويل.

شاركها.