توترات متصاعدة على الحدود الأفغانية الباكستانية: احتجاج باكستاني قوي عقب هجوم انتحاري
تتجدد المخاوف من اتساع دائرة العنف على الحدود بين أفغانستان وباكستان، وذلك بعد استدعاء وزارة الخارجية الباكستانية لدبلوماسي أفغاني رفيع المستوى احتجاجًا على هجوم انتحاري قاتل أسفر عن مقتل 11 جنديًا باكستانيًا وفتاة. ويأتي هذا التصعيد ليترجم حالة عدم الثقة والتوتر المستمرة بين البلدين الجارين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار الإقليمي.
تصعيد باكستاني بعد الهجوم الآثم
في تطور مقلق، استدعت الخارجية الباكستانية يوم الأربعاء نائب رئيس البعثة الأفغانية في إسلام آباد، وسلمته احتجاجًا دبلوماسيًا رسميًا على خلفية الهجوم الانتحاري الذي وقع في منطقة باجور بشمال غرب البلاد يوم الاثنين. اتهمت باكستان في بيانها متمردين يتمركزون داخل الأراضي الأفغانية بالضلوع في هذا الهجوم، مؤكدةً على احتفاظها بالحق في “الرد والقضاء على من يقفون وراء الهجوم أينما كانوا، لحماية جنودها ومدنييها وحدودها”.
هذا التحرك الباكستاني يعكس مدى الجدية التي تتعامل بها إسلام آباد مع التهديدات الأمنية المتزايدة على حدودها، ويشير إلى احتمالية اتخاذ إجراءات حاسمة إذا لم تتجاوب السلطات الأفغانية مع هذه الاتهامات. ويشار إلى أن هذا الحادث ليس الأول من نوعه، بل هو جزء من سلسلة من التوترات المتصاعدة عبر الحدود.
جذور التوتر: تاريخ من الاحتكاكات الحدودية
لم تكن الأجواء بين باكستان وأفغانستان ودية على الدوام، بل شهدت فصولًا من الاحتكاكات العنيفة. ففي أكتوبر 2025، أدت اشتباكات حدودية دامية إلى مقتل العشرات من الجنود والمدنيين والمسلحين المشتبه بهم، مما عمّق الشكوك المتبادلة وزاد من صعوبة بناء علاقات بناءة.
وتتوالى الأحداث لترسم صورة معقدة. فبالإضافة إلى الهجوم الأخير، تزامنت أعمال العنف مع انفجارات وقعت في كابول في التاسع من أكتوبر، حملت أفغانستان إثرها المسؤولية لباكستان. وعلى الرغم من التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة قطرية، إلا أن المحادثات اللاحقة في إسطنبول لم تسفر عن اتفاق نهائي، مما أبقى على العلاقات متوترة وهشة.
جذور متغلغلة: تحريك طالبان باكستان ودورها
تؤكد باكستان مرارًا وتكرارًا على تصاعد وتيرة الهجمات على أراضيها في السنوات الأخيرة، وتشير أصابع الاتهام بشكل كبير إلى حركة طالبان الباكستانية (تحريك طالبان باكستان أو TTP). هذه الحركة، على الرغم من انفصالها التنظيمي عن حركة طالبان الأفغانية، إلا أنها تتمتع بتحالف وثيق معها، وهو ما يزداد تعقيدًا بعد عودة حركة طالبان الأفغانية إلى السلطة في عام 2021.
تتهم إسلام آباد حركة طالبان الباكستانية بالعمل بحرية داخل أفغانستان، وهو ما تنفيه الحركة الأفغانية وتنفي كابول بدوره أي دور لها في تسهيل هذه العمليات. هذا النفي المتبادل يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ كبير في تحديد المسؤوليات الحقيقية ومعالجة جذور المشكلة الأمنية.
تعقيدات الحدود الأفغانية الباكستانية: تحديات أمنية وإقليمية
تُعد العلاقة بين باكستان وأفغانستان معقدة للغاية، وتتداخل فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والإنسانية. لطالما كانت الحدود الممتدة بين البلدين مصدر قلق دائم، خاصة مع تواجد مجموعات مسلحة ناشطة على جانبي الحدود.
إن الهجوم الأخير يبرز الطبيعة الخطرة لهذه التحديات، ويضع المسؤولية على عاتق كل من إسلام آباد وكابول لإيجاد سبل فعالة للتعاون الأمني. إن غياب الثقة والاتهامات المتبادلة لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار في منطقة تعاني بالفعل من تبعات عقود من الصراع.
دور المجتمع الدولي والإغاثة الإنسانية
لا يمكن تجاهل الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع الدولي في هذه الأزمة. فالتدخلات الدبلوماسية والحوار الهادئ يمكن أن يساعد في تخفيف حدة التوترات وإيجاد حلول سلمية. كما أن تقديم المساعدة الإنسانية للمتضررين من العنف على الجانبين، وخاصة في مناطق الحدود، يعد أمرًا بالغ الأهمية.
إن معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، مثل الفقر وتراجع فرص العمل، بالإضافة إلى بناء مؤسسات دولة قوية وشاملة في أفغانستان، يمكن أن يساهم بشكل كبير في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
ختاماً: نحو مستقبل أكثر استقراراً؟
إن استدعاء الدبلوماسي الأفغاني وتقديم الاحتجاج الرسمي يعكس الإحباط الباكستاني العميق من الوضع الأمني على حدودها. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا الاحتجاج سيؤدي إلى تغيير حقيقي في سلوكيات الأطراف المعنية، أم سيظل مجرد حلقة أخرى في سلسلة التوترات المتصاعدة.
إن مستقبل العلاقات بين باكستان وأفغانستان، وبالتالي الاستقرار الإقليمي، يعتمد بشكل كبير على قدرة القيادات في كلا البلدين على تجاوز الخلافات، وتبني لغة الحوار والتعاون، والتحرك بمسؤولية لضمان أمن مواطنيهما وحماية حدودهما. التحديات كبيرة، ولكن ضرورة التعاون من أجل مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا للجميع أمر لا مفر منه.
