تونس تشهد تصعيداً في قمع المعارضة مع اعتقال المحامي عياشي الهمامي

شهدت تونس، التي كانت تعتبر نموذجاً للتحول الديمقراطي في المنطقة، تصعيداً مقلقاً في قمع المعارضة، حيث ألقت الشرطة التونسية القبض على المحامي البارز عياشي الهمامي يوم الثلاثاء. يأتي هذا الاعتقال بناءً على حكم بالسجن لمدة خمس سنوات صدر بحقه الأسبوع الماضي في قضية “التآمر ضد أمن الدولة”، وهي القضية التي أثارت موجة إدانات واسعة من منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية. هذا الحدث يسلط الضوء على التدهور المستمر في الوضع الحقوقي والسياسي في تونس، مما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الديمقراطية في البلاد. عياشي الهمامي، المدافع عن حقوق الإنسان المخضرم، يعتبر رمزاً للنضال من أجل الحريات العامة، واعتقاله يمثل ضربة قوية للمعارضة التونسية.

قضية “التآمر ضد أمن الدولة” وتداعياتها

القضية التي أودت بالهمامي إلى السجن ليست منفصلة عن سياق أوسع من الملاحقات القضائية التي تستهدف معارضي الرئيس قيس سعيد. تشمل هذه القضية ما لا يقل عن 40 شخصاً، من بينهم سياسيون بارزون ورجال أعمال، وقد تراوحت أحكام السجن الصادرة بحقهم بين عامين و 45 عاماً. هذه الأحكام، التي وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنها “جائرة” و “ذات دوافع سياسية”، جاءت بعد محاكمات اعتبرت “صورية” و “مخالفة للإجراءات القانونية الواجبة”.

انتقادات دولية واسعة النطاق

منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أبدت قلقها البالغ إزاء هذه الاتهامات، مؤكدة أنها تأتي في إطار جهد منهجي أوسع نطاقاً لقمع المعارضة في تونس. وتأتي هذه الانتقادات في وقت يزداد فيه القلق حيال تراجع الحريات العامة في البلاد، وخاصة حرية التعبير والتجمع. يعتبر هذا القمع بمثابة نكسة للتقدم الديمقراطي الذي حققته تونس بعد ثورة 2011.

إضراب الهمامي المفتوح عن الطعام ورسالة النضال

لم يستسلم الهمامي لليأس بعد صدور الحكم بسجنه، بل أعلن، في مقطع فيديو مسجل مسبقاً نشره على فيسبوك، أنه سيبدأ إضراباً مفتوحاً عن الطعام حتى يتحقق مطالبه بالحرية. وقال الهمامي في رسالته القوية: “سأحول الزنزانة التي كان قيس سعيد يحبسني فيها إلى مساحة للنضال أيضاً.” وأضاف: “نحن جميعاً ضحايا قمع هذه السلطة، دعونا نتحد لتغيير هذه الأوضاع… فالوحدة هي الطريق الوحيد الواضح والطبيعي للشعب في مواجهة الطغيان.”

رسالة الهمامي تعكس إصراره على مواصلة النضال من أجل الحرية والعدالة، حتى من داخل السجن. هذا الإضراب عن الطعام يمثل تطوراً مقلقاً في القضية، ويزيد من الضغط على السلطات التونسية.

شهادات العائلة والمواقف المتضاربة

أعربت ابنة الهمامي، فداء حمامي، عن غضبها وخيبة أملها من الحكم، واصفة المحكمة بأنها “فقدت كل استقلالها” خلال فترة سعيد. وأكدت أن الحكم جاء نتيجة محاكمة صورية قائمة على اتهامات لا أساس لها من الصحة، ومليئة بالانتهاكات التي تمس بحقوق المحاكمة العادلة.

وأضافت فداء أن اعتقال والدها هو مجرد مثال آخر في سلسلة قمع المعارضة والتعبير النقدي في تونس. وشددت على أن والدها سيواصل نضاله من داخل السجن، وسيبقى صامداً في وجه الظلم. كما ذكرت أن والدها انضم إلى “عشرات الرجال والنساء الذين يُسجنون فقط لأنهم مارسوا حقوقهم الإنسانية”.

في المقابل، ترفض السلطات التونسية برئاسة قيس سعيد الاتهامات بأن هذه الإجراءات ذات دوافع سياسية. وتصر الحكومة على أن الملاحقات القضائية هي خطوة ضرورية لحماية الدولة من التهديدات التي تواجه أمنها القومي، ومن المؤامرات التي تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد. ومع ذلك، يُنظر إلى هذا التبرير على أنه محاولة لتغطية الأهداف السياسية الحقيقية وراء هذه الحملة القمعية. الحراك السياسي والأصوات المعارضة تتهم السلطة بالتضييق على الحريات.

الاعتقالات المتتالية وتأثيرها على المشهد السياسي

لم يكن الهمامي الشخص الوحيد الذي طالته يد الاعتقالات الأخيرة في تونس. تشير التقاريرات إلى أن شيماء عيسى، المعارضة وزعيمة جبهة الإنقاذ الوطني، قد ألقت القبض عليها أيضاً بعد صدور الأحكام القضائية. تم القبض على عيسى في ظروف قاسية أثناء عودتها إلى منزلها بعد مشاركتها في احتجاج للمعارضة، وأجبرت على ركوب سيارة مدنية دون أي علامات تعريفية. وأعلنت عيسى عن بدءها إضراباً عن الطعام احتجاجاً على ظروف اعتقالها.

تأتي هذه الاعتقالات المتتالية في سياق تصاعد للتوترات السياسية في تونس، وتعميق للانقسامات بين الحكومة والمعارضة. الوضع الحقوقي في تونس أصبح مصدر قلق متزايد للمراقبين الدوليين. هذه الأحداث تثير تساؤلات حول مستقبل الديمقراطية في تونس، وقدرة البلاد على تجاوز هذه المرحلة الصعبة.

الخلاصة: مستقبل تونس على المحك

إن اعتقال المحامي عياشي الهمامي، والإدانات التي طالت العديد من معارضي الرئيس سعيد، والإضرابات عن الطعام التي يعلنهما المعتقلون، هي علامات تحذيرية تشير إلى تدهور خطير في الوضع الحقوقي والسياسي في تونس. هذه الأحداث تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي، وممارسة ضغوط على السلطات التونسية لوقف حملة القمع، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.

إن مستقبل تونس الديمقراطي يعتمد على احترام الحقوق والحريات الأساسية، وحماية حرية التعبير والمعارضة. يجب على جميع القوى السياسية والمدنية التونسية أن تتحد من أجل مواجهة هذه التحديات، والدفاع عن قيم الديمقراطية والعدالة. ندعو القارئ الكريم لمتابعة آخر التطورات في تونس والتعبير عن تضامنه مع النضال من أجل الحرية.

شاركها.