الفاشر: شهود عيان وقرائن تدين الإبادة الممنهجة في دارفور
القاهرة (أ ف ب) – تتكشف فصول مأساوية جديدة في دارفور، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 6000 شخص في غضون ثلاثة أيام، وذلك نتيجة “موجة عنف مكثفة ومروعة من حيث حجمها ووحشيتها” شنتها مجموعة شبه عسكرية سودانية. الهجوم على مدينة الفاشر، الذي شنته قوات الدعم السريع، حمل في طياته فظائع جماعية ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية، وفقًا لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
هجوم الفاشر: انتهاكات صارخة تستدعي المساءلة
أكد المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن “الانتهاكات السافرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها” في الهجوم الأخير على الفاشر، تسلط الضوء على أن “استمرار الإفلات من العقاب يغذي دورات العنف المستمرة”. اجتاحت قوات الدعم السريع، المعروفة تاريخياً باسم الجنجويد، مدينة الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول، لتكون بذلك المعقل الوحيد المتبقي للجيش السوداني في دارفور، وذلك بعد حصار دام أكثر من 18 شهراً.
تفاصيل تقرير الأمم المتحدة: جرائم حرب موثقة
كشف تقرير الأمم المتحدة المكون من 29 صفحة عن سلسلة من الفظائع المروعة، شملت القتل الجماعي، والإعدام بإجراءات موجزة، والعنف الجنسي، والاختطاف بغرض الحصول على فدية، والتعذيب، وسوء المعاملة، والاحتجاز القسري، والاختفاء. وأكد التقرير أن العديد من هذه الهجمات كانت ذات دوافع عرقية واضحة.
لم تستجب قوات الدعم السريع لطلبات التعليق، إلا أن الفريق أول محمد حمدان دقلو، أحد قادة هذه القوات، كان قد أقر سابقاً بوقوع انتهاكات من قبل مقاتليه، ولكنه طعن في حجم الفظائع المرتكبة.
“مشهد من فيلم رعب”: شهادات صادمة من الفاشر
تعكس الفظائع المزعومة في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، نمطًا متكررًا في سلوك قوات الدعم السريع خلال الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023. هذا الصراع، الذي بدأ كصراع على السلطة، تحول إلى قتال مفتوح ليخلق أكبر أزمة إنسانية في العالم. وقد أدت هذه الحرب إلى وصفها بأنها مميزة بارتكاب فظائع شنيعة، والتي تحقق فيها المحكمة الجنائية الدولية كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. هذا بالإضافة إلى اتهامات من إدارة بايدن لقوات الدعم السريع بتنفيذ إبادة جماعية.
وفقًا للمعلومات التي وثقها مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فقد قُتل ما لا يقل عن 4400 شخص داخل الفاشر بين 25 و27 أكتوبر/تشرين الأول. كما لقي أكثر من 1600 آخرين مصرعهم أثناء محاولتهم الفرار من هجمات قوات الدعم السريع. استند التقرير إلى مقابلات مع 140 ضحية وشاهد، وتتوافق هذه الشهادات مع تحليل مستقل لصور الأقمار الصناعية ولقطات الفيديو.
في إحدى الحالات الموثقة، فتح مقاتلو قوات الدعم السريع النار على حشد مؤلف من 1000 شخص كانوا يحتمون في سكن الرشيد بجامعة الفاشر، مما أسفر عن مقتل حوالي 500 شخص. ونقل التقرير عن أحد الشهود وصفه للجثث وهي ملقاة في الهواء “مثل مشهد من فيلم رعب”. كما تم إعدام حوالي 600 شخص، بينهم 50 طفلاً، في 26 أكتوبر/تشرين الأول أثناء لجوئهم إلى مرافق الجامعة. وحذر التقرير من أن العدد الفعلي للقتلى خلال هذا الهجوم كان “بلا شك أعلى بكثير”.
لا تشمل هذه الأرقام مقتل 460 شخصًا يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول، عندما اقتحمت قوات الدعم السريع مستشفى الولادة السعودي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. كما استهدف القصف العشوائي والهجمات بطائرات مسيرة من قبل قوات الدعم السريع مخيم أبو شوك للنازحين، مما أدى إلى مقتل حوالي 300 شخص بين 23 و24 أكتوبر/تشرين الأول.
العنف الجنسي: سلاح حرب ممنهج
أشار التقرير إلى انتشار واسع للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي، خلال هجوم الفاشر. وقد استهدفت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها بشكل خاص النساء والفتيات من قبائل الزغاوة غير العربية، بسبب مزاعم وجود صلات لهن أو دعمهن للجيش. وأوضح فولكر تورك، الذي زار السودان الشهر الماضي، أن الناجين من العنف الجنسي قدموا شهادات تكشف عن “استخدام هذه الممارسة بشكل منهجي كسلاح حرب”.
احتجاز جماعي واختفاء قسري
إلى جانب العنف المباشر، قامت القوات شبه العسكرية باختطاف العديد من الأشخاص أثناء محاولتهم الفرار من المدينة، قبل إطلاق سراحهم بعد دفع فدية. وذكر التقرير أن الآلاف ما زالوا محتجزين في ما لا يقل عن 10 مراكز احتجاز تديرها قوات الدعم السريع في الفاشر، بما في ذلك مستشفى الأطفال الذي تم تحويله إلى مركز احتجاز. وتشير التقديرات إلى أن عدة آلاف من الأشخاص لا يزالون في عداد المفقودين.
تكرار نمط الانتهاكات في دارفور
يشبه نمط هجوم قوات الدعم السريع على الفاشر الهجمات الأخرى التي شنتها القوات شبه العسكرية وحلفاؤها على مناطق أخرى في دارفور، بما في ذلك مخيم زمزم للنازحين، ومدينة الجنينة، وبلدة أردماتا القريبة في عام 2023.
دعوة للمساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب
أكد فولكر تورك وجود “أسباب معقولة” لارتكاب قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها جرائم حرب، وأن أفعالهم ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. ودعا إلى محاسبة المسؤولين، بمن فيهم القادة، محذراً من أن “استمرار الإفلات من العقاب يغذي دورات العنف المستمرة” في أزمة دارفور.
في ختام هذا الوضع المأساوي، تتجه الأنظار نحو المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات حاسمة لضمان تقديم الجناة للعدالة وحماية المدنيين في السودان. إن الصمت أمام هذه الجرائم يرسم مستقبلًا مظلمًا للأجيال القادمة.
