الاحتجاجات في بوليفيا تتصاعد ضد إصلاحات باز الاقتصادية
اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في بوليفيا، وتحديداً في لاباز، احتجاجاً على سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس رودريغو باز. تصاعدت هذه الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة بين عمال المناجم والشرطة، حيث استخدم المتظاهرون الديناميت والألعاب النارية، بينما ردت الشرطة بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. تستمر هذه التظاهرات لليوم الثامن على التوالي، مما يعكس حالة من عدم الرضا والغضب المتزايد تجاه سياسات الحكومة الجديدة. يركز جوهر الخلاف على إلغاء دعم الوقود الذي كان قائماً منذ عقود، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة النطاق بشأن تأثيره على الأسر ذات الدخل المحدود والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
سياق الإصلاحات الاقتصادية وأسباب الغضب الشعبي
في شهر ديسمبر، قام الرئيس باز بتوقيع مرسوم يقلل بشكل كبير من دعم الوقود. الدافع وراء هذا القرار، بحسب الخبراء الاقتصاديين، هو معالجة النقص الحاد في الدولار الأمريكي الذي يعاني منه الاقتصاد البوليفي. كان دعم الوقود يمثل عبئاً مالياً كبيراً على الدولة، ويُعتقد أنه أحد العوامل المساهمة في أزمة العملة.
ومع ذلك، أدى إلغاء الدعم إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين، حيث تضاعف السعر تقريباً من 53 سنتاً للتر الواحد إلى دولار واحد. هذا الارتفاع المفاجئ أثار غضب المواطنين، الذين يعتمدون بشكل كبير على الوقود في تنقلاتهم وأنشطتهم اليومية.
بالإضافة إلى ذلك، يرى المعارضون أن هذه الإصلاحات هي جزء من برنامج أوسع يهدف إلى فرض سياسات رأسمالية متطرفة، وهو ما يتناقض مع الرؤية الاشتراكية التي سادت في بوليفيا لعقود. الرئيس باز، الذي يتبنى برنامج “الرأسمالية للجميع”، قام أيضاً بزيادة الحد الأدنى للأجور وأصدر إصلاحاً يسمح للبنك المركزي باقتراض الأموال دون موافقة المجلس التشريعي، مما أثار المزيد من الجدل.
تصاعد الاحتجاجات وتداعياتها
بدأت الاحتجاجات بوصول مئات من عمال المناجم التابعين للشركات المملوكة للدولة إلى العاصمة لاباز. هؤلاء العمال، الذين يعتبرون قوة دافعة مهمة في الاقتصاد البوليفي، يخشون أن تؤدي الإصلاحات إلى فقدان الوظائف وتدهور أوضاعهم المعيشية.
ومع ذلك، لم يقتصر الاحتجاج على عمال المناجم فقط. انضمت نقابات المعلمين وبعض مجموعات السكان الأصليين إلى الاحتجاجات، مما يشير إلى وجود معارضة أوسع للإصلاحات الاقتصادية. من الجدير بالذكر أن العديد من المجموعات التجارية، بما في ذلك عمال النقل، لم تشارك في الاحتجاجات حتى الآن.
وقد صرح ماريو أرجولو، زعيم اتحاد العمال المركزي في بوليفيا، أن الاحتجاجات ليست مقتصرة على إلغاء دعم الوقود، بل هي احتجاج على “المرسوم اللعين الذي سيغرق البلاد والأجيال الجديدة في الديون”. هذا البيان يبرز مدى عمق الاستياء والغضب تجاه سياسات الحكومة الحالية.
المواجهات العنيفة بين المتظاهرين والشرطة
تخلل الاحتجاجات مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة في لاباز. استخدم المتظاهرون الديناميت والألعاب النارية لإعاقة تقدم الشرطة، بينما ردت الشرطة بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق الحشود. لم تبلغ الشرطة عن أي اعتقالات، لكن المواجهات أدت إلى إصابات طفيفة بين المتظاهرين وعناصر الشرطة. يشكل استخدام الديناميت من قبل المتظاهرين تصعيداً خطيراً في الاحتجاجات، ويثير مخاوف بشأن احتمال وقوع المزيد من العنف.
التوجهات السياسية الجديدة لبوليفيا
منذ توليه منصبه في نوفمبر، سعى الرئيس باز إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وأعلن عن قبوله لسفير أمريكي في بوليفيا بعد انقطاع دام 17 عامًا. يعكس هذا التحول في السياسة الخارجية رغبة الحكومة الجديدة في جذب الاستثمار الأجنبي وتعزيز التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، تهدف الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس باز إلى تحويل الاقتصاد البوليفي نحو نموذج رأسمالي أكثر انفتاحاً. يرى الرئيس أن هذه الإصلاحات ضرورية لجذب الاستثمار الأجنبي وخلق فرص عمل جديدة.
ولكن، هذه الإصلاحات تواجه معارضة قوية من القوى السياسية والاجتماعية المتحالفة مع الحركة من أجل الاشتراكية، الحزب الذي حكم بوليفيا لمدة عقدين من الزمن قبل أن يُقوض في الانتخابات الأخيرة. يشير هذا إلى أن بوليفيا قد تشهد فترة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في الأشهر والسنوات القادمة.
مستقبل الاحتجاجات والوضع الاقتصادي في بوليفيا
ما زال مستقبل الاحتجاجات غير واضح. من المرجح أن يستمر الغضب الشعبي وتصاعده إذا لم تتفاعل الحكومة مع مطالب المحتجين.
بالإضافة إلى ذلك، يعتمد الوضع الاقتصادي في بوليفيا بشكل كبير على نجاح الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس باز. إذا تمكنت هذه الإصلاحات من جذب الاستثمار الأجنبي وتحسين الوضع المالي للدولة، فقد تؤدي إلى تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين. ومع ذلك، إذا فشلت هذه الإصلاحات في تحقيق أهدافها، فقد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وزيادة الغضب الشعبي.
من الضروري متابعة تطورات الوضع في بوليفيا عن كثب، حيث يمكن أن يكون لها تداعيات كبيرة على الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة. يتطلب حل هذه الأزمة حواراً بناءً بين الحكومة والمحتجين، والتوصل إلى حلول تلبي احتياجات جميع الأطراف. الوضع يتطلب أيضاً شفافية أكبر في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وتقديم معلومات واضحة للمواطنين حول تأثيرها على حياتهم. يبقى السؤال، هل سيتمكن الرئيس باز من تجاوز هذه الأزمة وتحقيق رؤيته للرأسمالية في بوليفيا؟
