تُواجه شركة تشاينا فانكي العقارية، إحدى كبرى شركات التطوير العقاري في الصين، أزمة متصاعدة تهدد بصدع جديد في قطاع العقارات المتعثر. فقد نجحت الشركة المدعومة من الدولة – بصعوبة – في تجنب التخلف عن سداد سندات بقيمة 2 مليار يوان (حوالي 284 مليون دولار) الأسبوع الماضي، لكنها تسعى الآن لتأجيل سداد 3.7 مليار يوان أخرى (حوالي 530 مليون دولار) من الديون المستحقة، ما يثير مخاوف متزايدة حول مستقبلها وقدرة الشركات الأخرى على الصمود في ظل الظروف الحالية. هذه الأزمة، على الرغم من أن حجم ديون فانكي أقل من شركات أخرى مثل إيفرجراند، إلا أنها تحمل دلالات مقلقة حول عمق المشكلة في السوق الصيني.

أزمة شركة تشاينا فانكي: مؤشر على ضعف سوق العقارات الصيني

تُمثل محنة شركة تشاينا فانكي العقارية علامة فارقة في مسار الأزمة التي يمر بها قطاع العقارات في الصين، حيث كانت الشركة تُعتبر من بين الأكثر استقراراً مالياً في هذا القطاع، وهو ما يجعل الوضع الحالي أكثر إثارة للقلق. فبعد سنوات من الانكماش المستمر، لا يزال المطورون الصينيون يكافحون من أجل التعافي، على الرغم من التدخلات الحكومية المتتابعة. ضعف أسعار الاستثمار والمنازل السكنية أدى إلى تآكل ثقة المستثمرين، وهو ما يمتد تأثيره إلى الاقتصاد بشكل عام، حيث يجد الملايين من أصحاب المنازل أنفسهم أمام شقق انخفضت قيمتها بشكل كبير عن سعر شرائها.

تراجع الأداء المالي وتأثيره على السندات

شهدت شركة فانكي انخفاضًا حادًا في إيراداتها، حيث تراجعت بنسبة 27% على أساس سنوي في الربع الأخير من العام. ونتيجةً لذلك، تم تعليق تداول العديد من سنداتها الداخلية بعد انخفاض أسعارها بشكل ملحوظ، مما أدى إلى صعوبة أكبر في الحصول على التمويل وإدارة الديون المتراكمة.

الديون المتراكمة وعلاقة الشركة بدعم الدولة

تصل ديون شركة فانكي إلى أكثر من 50 مليار دولار، وهي قيمة كبيرة على الرغم من كونها أقل بكثير من الديون التي المثقلة بها شركة إيفرجراند (أكثر من 300 مليار دولار). إلا أن الأهم من حجم الدين هو حقيقة أن فانكي، التي تأسست في الثمانينيات في مدينة شنتشن، قد تكون تختبر حدود الدعم الحكومي لمطوري العقارات. فقد قدمت مجموعة مترو شنتشن، الذراع الحكومي الرئيسي في شنتشن، قروضًا للمساهمين بقيمة 29 مليار يوان هذا العام وحده، في محاولة لمساعدة فانكي على سداد ديونها، لكن هذه الجهود تبدو غير كافية حتى الآن.

ركود قطاع العقارات الصيني: أزمة أعمق مما تبدو

لا يقتصر الأمر على شركة فانكي وحدها، فعلى مدى أكثر من أربع سنوات، لا يزال قطاع العقارات في الصين يعاني من ركود عميق. تختلف التطورات من مدينة إلى أخرى، لكن متوسط أسعار المنازل انخفض بنسبة 20% أو أكثر عما كانت عليه في ذروتها عام 2021. هذا التراجع مستمر، حيث سجلت مبيعات المنازل الجديدة انخفاضًا بنسبة 11.2% من حيث القيمة خلال الأشهر الـ 11 الأولى من عام 2025، في حين انخفضت الاستثمارات العقارية بنحو 16% على أساس سنوي.

تأثير الركود على سوق العمل والنمو الاقتصادي

هذا الركود لم يقتصر على الأرقام فحسب، بل أدى أيضًا إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال في القطاع، مما أضر بثقة المستهلك وأثر سلبًا على الإنفاق العام. ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا الانحدار المستمر في سوق العقارات يُعد أحد أبرز المخاطر التي تواجه جهود الصين للتحول نحو نموذج نمو يعتمد بشكل أكبر على الاستهلاك المحلي.

تداعيات أزمة إيفرجراند وتخوفات من شركات أخرى

لا يمكن الحديث عن أزمة العقارات في الصين دون الإشارة إلى أزمة شركة إيفرجراند، التي كانت تعتبر ذات يوم “أكبر من أن تفشل”. فالتخلف عن السداد الذي بدأت به إيفرجراند عام 2021، وما تلاه من إعادة هيكلة للديون، أثار موجة من المخاوف بشأن قدرة شركات التطوير العقاري الأخرى على الوفاء بالتزاماتها. وقد تسبب بالفعل في تخلف العديد من الشركات الأخرى عن السداد وإعادة هيكلة ديونها.

مستقبل شركة تشاينا فانكي: هل سينقذها الدعم الحكومي؟

على الرغم من جهود الدعم الحكومي، وخاصةً من قبل مجموعة مترو شنتشن، يبدو أن أزمة شركة فانكي العقارية تتفاقم. فقد خفضت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني تصنيف الشركة إلى “التخلف عن السداد الانتقائي”، معتبرةً تمديد فترة سداد السندات بمثابة عملية إعادة هيكلة للديون المتعثرة. كما خفضت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيفها أيضاً إلى “التخلف عن السداد المحدود”.

التحديات المستقبلية والديون المستحقة

تواجه شركة فانكي تحديات كبيرة في سداد ديونها المستحقة في المستقبل القريب، حيث عليها سداد ديون إضافية بمئات الملايين من الدولارات في عام 2026، بما في ذلك سندات بقيمة 9.4 مليار يوان مستحقة خلال الأشهر الستة القادمة.

السيناريوهات المحتملة وتأثيرها على القطاع

يتوقع المحللون أن التخلف عن السداد من قبل فانكي قد يمتد تأثيره إلى قطاع العقارات الأوسع، مما يزيد من صعوبة حصول المطورين الآخرين على التمويل. ولذلك، فإن بقاء الشركة يعتمد بشكل كبير على التزام قوي من جانب الحكومة المحلية في شنتشن بتقديم خطة إنقاذ شاملة. يمكن القول أن مستقبل شركة Vanke (كما تُعرف فانكي بالإنجليزية) سيكون بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الصينية على احتواء الأزمة في قطاع العقارات ومنع المزيد من الانهيات. إعادة الثقة إلى هذا القطاع الحيوي ستكون عملية طويلة الأمد، وقد لا نشهد انتعاشًا حقيقيًا في أسعار المنازل قبل عام 2027، كما تشير التقديرات.

شاركها.