في سلسلة مأساوية من الأحداث، شهدت تايلاند انهيار رافعتين بناء في غضون يومين، مما أسفر عن خسائر فادحة في الأرواح وأثار غضبًا شعبيًا واسعًا. هذه الحوادث المتتالية، التي وقعت بالقرب من بانكوك وفي مشروع سكك حديدية رئيسي، سلطت الضوء على المخاوف المتزايدة بشأن معايير السلامة في مشاريع البناء، خاصة تلك التي تشارك فيها شركات أجنبية. وتعد هذه الأحداث الأخيرة بمثابة نقطة تحول، حيث تعهد رئيس الوزراء التايلاندي باتخاذ إجراءات صارمة ضد الشركات المتورطة.

انهيار رافعة بناء ثانية يثير المخاوف في تايلاند

في صباح يوم الخميس، انهارَت رافعة بناء على طريق راما 2 السريع في مقاطعة ساموت ساخون، مما أدى إلى محاصرة مركبتين تحت الأنقاض. وأكد وزير النقل فيفات راتشاكيتبراكارن وفاة شخصين، مما زاد من الحزن الذي خيم على البلاد بعد حادثة خروج القطار المروعة التي وقعت قبل ذلك بيوم. هذا الطريق السريع، وهو شريان حيوي يربط بانكوك بالمناطق الجنوبية، أصبح للأسف معروفًا بسجل حوادث البناء، بعضها أسفر عن وفيات.

مأساة خروج القطار: حصيلة ثقيلة وخسائر أجنبية

الحادثة الأولى، والتي وقعت يوم الأربعاء، كانت خروج قطار ركاب عن مساره، مما أسفر عن مقتل 32 شخصًا وإصابة ما يقرب من 70 آخرين. انتهت عمليات البحث عن المفقودين، وأشار المسؤولون إلى أن ثلاثة ركاب كانوا مسجلين في البداية كمفقودين يُعتقد أنهم نزلوا من القطار قبل وقوع الحادث. ومن بين الضحايا، تم تحديد هوية مواطن كوري جنوبي في أواخر الثلاثينيات من عمره، بالإضافة إلى مواطن ألماني، مما يعكس الأثر الدولي لهذه المأساة.

مشروع السكك الحديدية عالية السرعة وعلاقته بالحزام والطريق

الخط الذي شهد خروج القطار عن مساره هو جزء من مشروع سكك حديدية عالية السرعة يهدف إلى ربط تايلاند بالصين، وهو جزء أساسي من مبادرة الحزام والطريق الصينية الطموحة. هذا المشروع، الذي تتولى شركة التطوير الإيطالية التايلاندية (Italthai) أعمال المقاولات فيه، بينما تتولى شركة صينية مسؤولية التصميم والإشراف على البناء، يواجه الآن تدقيقًا مكثفًا.

إيتالثاي في دائرة الاتهام: حوادث سابقة وتعهدات بالتحقيق

شركة إيتالثاي ليست غريبة عن الجدل. ففي أغسطس 2024، انهار نفق للسكك الحديدية وطريق مخطط له في ناخون راتشاسيما، مما أسفر عن مقتل ثلاثة عمال. كما كانت الشركة المقاول الرئيسي لمبنى تدقيق الدولة في بانكوك الذي انهار في مارس الماضي أثناء زلزال، مما أدى إلى مقتل ما يقرب من 100 شخص. هذه السلسلة من الحوادث أثارت تساؤلات جدية حول معايير السلامة التي تتبعها الشركة.

وقد أصدرت إيتالثاي بيانات تعزية والتزام بالمساعدة في عمليات التعافي والتحقيق في أعقاب كل من الحادثين الأخيرين. ومع ذلك، فإن هذه التعهدات لم تمنع الغضب الشعبي المتزايد والمطالبات بمحاسبة الشركة.

رد فعل الحكومة: إنهاء العقود والقائمة السوداء

في أعقاب هذه الأحداث المأساوية، أعلن رئيس الوزراء التايلاندي أنوتين شارنفيراكول عن إجراءات صارمة. بعد اجتماع عُقد يوم الخميس مع الجهات الحكومية المعنية، أمر وزير النقل بإنهاء العقود مع الشركات المتورطة في الحادثين على الفور. كما أضاف أن هذه الشركات سيتم إدراجها في القائمة السوداء وستواجه الملاحقة القانونية الكاملة.

خطط لتمويل المشاريع غير المكتملة ومحاسبة الشركات

أكد رئيس الوزراء أن الحكومة ستعمل على إيجاد مقاولين جدد لإكمال المشاريع المتوقفة، وسيتم تمويل ذلك من خلال مصادرة سندات الأداء والضمانات المصرفية من الشركات التي تم إنهاء خدماتها. كما احتفظت الحكومة بحقها في مقاضاة هذه الشركات لاسترداد أي تكاليف إضافية.

بالإضافة إلى ذلك، تعمل الحكومة على وضع نظام “بطاقة الأداء” لتتبع سجلات أداء المقاولين، ومن المتوقع أن يتم تطبيق هذا النظام في أوائل شهر فبراير. يهدف هذا النظام إلى ضمان اختيار الشركات ذات السمعة الجيدة والالتزام بمعايير السلامة العالية.

التعاون الدولي والشفافية في التحقيقات

أعرب السفير الصيني تشانغ جيان وي عن تعازيه لرئيس الوزراء أنوتين في حادثة انهيار رافعة مشروع السكك الحديدية. كما تعهد بالتعاون الكامل والشفافية في التحقيق، مؤكدًا على أهمية المشروع للتعاون الاستراتيجي الثنائي بين البلدين. هذا التأكيد على التعاون يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها الصين لمبادرة الحزام والطريق ورغبتها في ضمان سلامة مشاريعها.

الخلاصة:

إن سلسلة الحوادث المأساوية التي شهدتها تايلاند مؤخرًا، بما في ذلك انهيار الرافعتين وخروج القطار عن مساره، تمثل صدمة كبيرة للبلاد. وقد أثارت هذه الأحداث تساؤلات جدية حول معايير السلامة في مشاريع البناء، خاصة تلك التي تشارك فيها شركات أجنبية. إن رد فعل الحكومة التايلاندية، من خلال إنهاء العقود وإدراج الشركات في القائمة السوداء، يظهر التزامها بمعالجة هذه المشكلة وضمان سلامة المواطنين. من الضروري إجراء تحقيقات شاملة وشفافة لتحديد الأسباب الجذرية لهذه الحوادث واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها في المستقبل. السلامة في البناء ليست مجرد أولوية، بل هي حق أساسي يجب ضمانه للجميع. مشاريع البنية التحتية يجب أن تنفذ بأعلى معايير الجودة والسلامة، و الحكومة التايلاندية تتحمل مسؤولية كبيرة في الإشراف على ذلك.

شاركها.